In Parliament
Statements


Click to share article:

كلمة النائب غسان مخيبر في مناقشة موازنة ٢٠٠٤

 

دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
لقد قيل وكتب الكثير عن موازنة ٢٠٠٤، وأكتفي ايجازا بما يأتي:
 
·        هي موازنة تشغيلية عادية لظروف استثنائية خطيرة.
·        موازنة تصريف اعمال لحكومة شبه تصريف اعمال.
·        موازنة فارغة من أية خطة اصلاحية في زمن رديء هو احوج ما يكون الى الإصلاحات الجذرية في السياسة والإدارة والقضاء والإقتصاد والمال.
·        موازنة متأخرة جدا، تجري مناقشتها في جو سياسي ملبد من المشاحنات والخلافات، تضيع معه فرص الإصلاح والإدارة العامة السليمة.
 
كان بامكاني الإكتفاء بهذا القدر واعلان انني لهذه الأساب اصوت ضد هذه الموازنة. لكن المناقشة من على هذا المنبر تحتم علي تجاوز الأرقام الى مناقشة السياسات التي ترتكز عليها، لكن دون أن يتحول الكلام الى مجرد "فشة خلق" اخرى لنفسي ولمن امثل، تلقى أمام الزملاء والمواطنين، لتسجل في محضر هذه الجلسة أو على أثير وسائل الإعلام.
 
لقد بات كل مواطن لبناني يعلم تماما ما يوجعه؛ واسباب هذا الوجع كثيرة تكاد لا تحصى، في السياسة والحريات والإقتصاد والتربية والصحة والمال والضرائب. وبات كل مواطن لبناني يعلم تماما أين الأخطاء واسبابها، وقد قيل وكتب ونشر الكثير من التحليلات والتعليقات واقترحت استراتيجيات وبعض من خطط العمل.
 
للتعبير عن الألم والإعتراض، ربما بات الأجدى بنا توزيع المناشير البيضاء اسوة بما حصل لذاك المواطن الناقم في احدى دول العالم الثالث "المعترة" في الديمقراطية والإقتصاد، حيث اعتقل وهو يوزع مناشير ضد الحكومة؛ فتعجب رجال الأمن حين لاحظوا أن المناشير كانت أوراق بيضاء ليس فيها أية عبارة؛ فسألوه عن السبب قال: "اسباب الإعتراض كثيرة الى حد انني اترك لكل مواطن حرية كتابة انتقاده الخاص".
 
انما للخروج من المأزق السياسي والإقتصادي الذي نحن ساقطون فيه حتى اعماق اعماقه، وجب علينا التقليل من الكلام والإكثار من الأفعال الإصلاحية عبر البدء بالعمل وفق محورين اساسيين:
 
أولا:    إطلاق ورشة اصلاح وانقاذ وطني
تتناول أولا مجمل الملفات السياسية الأساسية التي لم تعالجها هذه الحكومة أو هذا المجلس بعد بالمستوى المطلوب من الجدية والجودة، ومنها:
 
·        تحقيق دولة القانون والمؤسسات، بالفعل لا بالشعارات، المبنية على اسس احترام الحريات وحقوق الإنسان؛
·   تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية وتعزيزها واقفال ملفات المخفيين قسرا في أية دولة كان ذلك، ان في سوريا أم ليبيا وتنقية ذاكرة الحروب اللبنانية الدامية؛
·        اصلاح العلاقات اللبنانية السورية في جميع المجالات الإقتصادية والسياسية والأمنية؛
·        اصلاح النظام الإنتخابي في وقت مبكر، بما يكفل شروط التمثيل الصحيح؛
·        تحقيق السلطة القضائية المستقلة والنزيهة والفاعلة؛
·        تحقيق اللامركزية الإدارية الموسعة على مستوى البلديات ومجالس الأقضية وتطوير اللاحصرية الموسعة؛
·   مكافحة الفساد المستشري وتحقيق الشفافية في التعامل السياسي والإداري، واصلاح الإدارة العامة لتكون فاعلة ومنصفة في ادائها، والخروج من دوامة المحسوبيات السياسية والطائفية التي تعرقل كل محاولة اصلاح، وكذلك وضع قواعد فاعلة لمنع تعارض المصالح بين من يتولى الإدارة أو الوزارة والتعامل مع الدولة، المباشر أو المستتر؛
 
وجدير التذكير بأن تحقيق جميع هذه الإصلاحات السياسية لا تتطلب أية كلفة مالية تذكر، بل ارادة سياسية وعمل جاج يشكل المدخل الحقيقي والضروري لتحقيق الإصلاحات الإقتصادية والمالية المنشودة، واستعادة ثقة المواطن والعالم بالدولة ومؤسساتها.
 
أما في المجال الإقتصادي والمالي والإجتماعي، يجب أن تتضمن ورشة الإصلاح والإنقاذ وضع السياسات المتكاملة مع برامجها التنفيذية (تشريعيا واداريا وماليا) في الملفات الإقتصادية والإجتماعية الشائكة ومنها:
 
·   تحصين الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وتطوير خدماته وادارته بما فيه ضمان الشيخوخة والضمان الصحي، اصلاح مصلحة كهرباء لبنان، وحماية الأملاك البحرية والنهرية، وتطوير المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية، وتطوير قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة ومساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتعثرة بسبب الأوضاع الإقتصادية والمالية الضاغطة.
·   تطوير سياسات وبرامج واضحة في المجالات البيئية، بما فيها عملية ادارة النفايات الصلبة، ضبط وتطوير ادارة الثروة المائية والكسارات وايجاد الحلول اللازمة لإستعمال المحروقات الأقل تلويثا في وسائل النقل العام وتطوير هذا الأخير، بما فيه تطوير سكك الحديد.
·   متابعة التزامات لبنان ضمن ما عرف بمؤتمر باريس ٢ بما فيه الإتفاق على آليات واضحة وشفافة لعمليات الخصخصة والتسنيد، ومراجعة السياسات المالية والضريبية.
 
ان النجاح في اطلاق مثل هذه الورشة الإصلاحية الإنقاذية لمعالجة جميع المواضيع التي اسلفت بيانها، رهن بمدى ثباتها واستمرارها، ذلك ما يتطلب وضعها بمنأى عن التجاذيات السياسية الشخصية، بما فيها فصلها ما امكن عن الإستحقاقات الإنتخابية على كافة المستويات، من رئاسية ونيابية وبلدية. كما أن النجاح رهن أيضا بضبط هذه الورشة ضمن آلية عمل تشترك فيها جميع القوى السياسية من داخل ومن خارج المؤسسات الدستورية، بما فيها هيئات المجتمع المدني المتخصصة وفق آلية "الحوارات الوطنية" التي كنت اقترحتها من على هذا المنبر في السابق.
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
لا يمكن ان تستقيم ادارة الشأن العام من قبل أية سلطة أو أية آلية للحوار اذا لم تقم في موازاتها هيئات رقابية فاعلة، لأن أي عمل يجر معه نصيبه من الأخطاء، لذلك لا بد
ثانيا:    من تعزيز دور وفاعلية مؤسسات الرقابة والمساءلة والمحاسبة
 
يأتي في مقدمة هذه الهيئات مجلس النواب، وهو أم المؤسسات الدستورية التي تتولى وظيفة مراقبة ومساءلة ومحاسبة الحكومة، بما فيه مراقبة الإدارة المالية للدولة عبر الموازنة وقطع الحساب.
 
لا بد لنا من الملاحظة في هذا المجال أن حضرة رئيس هذا المجلس والزميلات والزملاء النواب يؤدون، افراديا أو عبر الكتل النيابية المختلفة، أعمال المراقبة والمساءلة في بعض جلسات اللجان النيابية ولدى المسؤولين المعنيين وفي وسائل الإعلام؛
 
انما لا بد من الملاحظة أيضا أن مجلس النواب كسلطة دستورية عبر هيئته العامة التي تؤدي دورها من خلال الجلسات العامة العلنية، يبقى دوره في المراقبة والمساءلة والمحاسبة في مستوى الحد الأدنى لأسباب عديدة: منها مشاركة أكبر الكتل النيابية في مجلس الوزراء الذي يتحول الى مجلس نيابي مصغر، اضافة الى العدد القليل جدا من الجلسات العامة التي تخصص للإستجوابات (ثلاثة عام ٢٠٠٣)، ناهيكم عن غياب الجلسات العامة المخصصة للمناقشة العامة وللأسئلة الخطية خلال عام ٢٠٠٣.
 
ان هذا الواقع يضطرنا كما يضطر الزميلات والزملاء النواب الى حشر جميع الآراء والمواقف وهموم الناس الكثيرة والمختلفة في مستهل الجلسات السنوية المخصصة لمناقشة الموازنة، كما وحشرها ضمن بضع الدقائق المتاحة وكأنها "فشة خلق"، بمثابة مناقشة الأوراق الواردة في مستهل جلسات التشريع العادية. ان ذلك يؤدي بطبيعة الحال الى هجرة العمل الرقابي والمساءلة من تحت قبة هذه القاعة الجليلة المخصصة للإجتماعات العامة العلنية الى النشاطات الإفرادية للنواب أو للكتل النيابية.
 
فالمطلوب اذا اتخاذ مجموعة من التدابير التي تؤدي الى تعزيز وتفعيل دور مجلس النواب في هيئته العامة كسلطة أناط بها الدستور مسؤولية المراقبة والمساءلة والمحاسبة، ومن هذه التدابير على سبيل المثال:
·        انعقاد المجلس في جلسات عامة دورية اسبوعية مخصصة لمناقشة كل من الوزراء في سياسات وزارته،
·        وشهريا لمناقشة الحكومة ورئيسها في السياسات العامة والمستجدات،
·        وجلسات خاصة بالأسئلة الخطية والإستجوابات.
 
والمطلوب أيضا اتخاذ مجموعة من التدابيرالتي تؤدي الى تطوير آليات صياغة الموازنة وقطع الحساب ومناقشتهما، (والدليل الساطع على مثل هذه الحاجة، العدد الهزيل من الزملاء والزميلات النواب الذين يشاركون في جلسات المناقشة) ومن هذه التدابير على سبيل المثال:
·        التشدد في آليات تجهير هذه الموازنة وقطع الحساب ضمن المهل الدستورية،
·        وتحويل جلسات لجنة المال والموازنة الى جلسات علنية،
·        وتعديل قانون المحاسبة العمومية لجهة وضع الموازنة وفق آلية تسمح بقياس فعالية الأموال المحصلة والمصروفة على الأهداف الإقتصادية والإجتماعية المقررة، ما يعرف "بموازنة الأداء" (ونشير الى ان مشروع القانون لهذه الجهة ما زال عالق في مكان ما)،
·        وتضمين الموازنة أرقام التمويل الخارجي من هبات وقروض.
 
كما يفترض بي أن أذكر ولو بعجالة سريعة الحاجة الى تفعيل دور ديوان المحاسبة الذي يفترض أن نولى لتطويره وتعزيزه اهتماما خاصا، لا سيما اذا ما اطلع بالمهام الجسيمة التي سوف تلقى على عاتقه في مراقبة البلديات وسائر الهيئات اللامركزية الأخرى؛ أو اذا ما أوليناها صلاحية مراقبة تنفيذ الموازنة تنفيذا لاحقا خاصة لجهة التثبت من فاعلية الإنفاق وجدواه.
 
ولا ننسى الحاجة الماسة الى تعيين الأعضاء المنتهية ولايتهم في المجلس الدستوري والمجلس الإقتصادي الإجتماهي والهيئة الوطنية للإعلام والعمل على تعزيز دور هذه الهيئات واستقلاليتها في جميع المجالات الممكنة.
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
في غياب خطة للإصلاح والإنقاذ تضع لبنان على طريق شاق من التطور السياسي الإيجابي يؤدي الى النمو الإقتصادي، سوف يزداد الوضع العام في الإنزلاق الخطير نحو التدهور على كافة المستويات، ويزيد ذلك سوءا قرف وقنوط المواطن واحباطه من كل ما يرتبط بالسياسة والسياسيين. وباتت الإجراءات المطلوب اتخاذها أكثر من اصلاحية ... تدابير انقاذية تؤدي الى بناء للوطن المنشود على انقاض مؤسساته الحالية المهترئة الفاسدة.
 
في الختام، نردد مع ذاك السياسي الفرنسي المخضرم في احدى فترات الضياع السياسي لديهم الذي قال:
 
 Le pouvoir est tombe si bas, qu’il ne s’agit plus de le reprendre, mais de le ramasser
"لقد سقطت المؤسسات والسلطات الى مستوى لم تعد الحاجة الى استعادتها بل الى التقاطها ولملمتها".
 
فلنعمل كثيرا ولنقلل من الكلام قبل فوات الأوان.
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures