In Parliament
Statements


Click to share article:

في تفسير المادة ٧٠ من الدستور المتعلقة باتهام رئيس الوزراء والوزراء ومحاكمتهم

 

تثار في الآونة الأخيرة مجموعة مسائل تتعلق بالمرجع الصالح لإتهام الوزراء والتحقيق معهم ومحاكمتهم وما يرتبط بذلك من حاجة ام لا لتفسير المادة ٧٠ من الدستور وكذلك عن مدى صلاحية مجلس النواب لتفسير المواد الدستورية لهذه الجهة. وقد رأينا أنه يفيد نشر موقفنا خطيا من مجمل هذه المسائل تعميما للنفع، خاصة بمعرض الجلسة التي دعي اليها المجلس النيابي لتفسير المادتان ٦٠ و٧٠ من الدستور[١].
 
أولا:    الحاجة الى تفسير المادة ٧٠ من الدستور
 
لا شك أن المادة ٧٠ من الدستور تحتاج الى تفسير لتحديد صلاحية المرجع الصالح لإتهام ومحاكمة الوزراء: هل يكون القضاء العادي أم مجلس النواب والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ("المجلس الأعلى"). وقد باتت هذه الحاجة ملحة بعد أن صدر عدد كبير من القرارات المتضاربة في هذا الشأن في عدد من شكاوى الحق العام الموجهة ضد وزراء سابقين (السادة بارسوميان وسنيورة والعبدالله)، وقد اعطيت لكل منهم نتيجة مختلفة بنتيجة اعتماد معايير قانونية واسباب وتعليلات مختلفة، متناقضة أحيانا:
 
·        فالشكوى ضد الوزير فؤاد سنيورة (بصفته وزيرا سابقا) فصلت فيها الهيئة العامة لمحكمة التمييز (وهي أعلى هيئة قضائية) معتمدة تفسيرا للمادة ٧٠ من الدستور مختلفة عن تلك التي كانت اعتمدتها محكمة الإستئناف وقضت بنتيجتها باعلان عدم صلاحيتها. واقفل هذا الملف نهائيا في مجلس النواب الذي صوت بالإجماع على رد طلب تحريك الملاحقة الواردة في العريضة النيابية سندا للمادة ٣٦٣ من قانون العقوبات.
 
·        أما الشكوى ضد الوزير شاهيه بارسوميان، فقد انتهت الهيئة الإتهامية فيها الى اعلان عدم صلاحيتها، ولم يميز هذا القرار، فبات مبرما دون أن تتمكن المحكمة العليا من تقدير مدى توافق تعليل قرار الهيئة الإتهامية واحكام المادة ٧٠ من الدستور. واحيل السيد برصوميان الى هيئة تحقيق نيابية استجابة للعريضة النيابية سندا للمواد ٣٥٩ و٣٦٠ و٤٥٤ و٤٥٧ من قانون العقوبات.
 
·        وأخيرا، احتفظت المحاكم العدلية بصلاحيتها للتحقيق مع الوزيرعلي العبدالله ومحاكمته، وهو اليوم قيد التوقيف الإحتياطي.
 
 
ازاء هذا التضارب في المواقف وفي التفسيرات القانونية، كان الموقع ادناه من النواب الذين أثاروا مسألة صلاحية المجلس للنظر في العريضتين النيابيتين المحالتين اليه سندا للمادة ٧٠ من الدستور، منتقدا تفسير هذه المادة الذي اعتمدته الهيئة العامة لمحكمة التمييز وذلك في مستهل جلسة مجلس النواب المخصصة للنظر في هاتين العريضتين النيابيتين.
 
اعتبر بان اثارتنا لموضوع الصلاحية هو بمثابة الدفع بانتفاء الإختصاص الوظيفي والنوعي (وفق منطوق المادة ٨٤ أصول محاكمات)، لأنني ممن يعتبرون أن الأفعال المشكو منها في العريضتين النيابيتين (خاصة بالنسبة الى العريضة المتعلقة بالوزير بارصوميان) من الجرائم العادية التي هي من صلاحية المحاكم العادية الحصرية وليس من صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
 
وفي حال اعتماد مجلس النواب لهذا الموقف، سوف يؤدي ذلك الى نشوء حالة "الإختلاف السلبي في الصلاحية" مع المحاكم العدلية الجزائية، بحيث تكون كل من محكمة التمييز والمجلس النيابي قد قضيا بعدم اختصاصهما الوظيفي والنوعي بسبب الإختلاف في تفسير المادة ٧٠ من الدستور.
 
لكنه في هذه الحالة، لا يمكن تطبيق المادة ١١٤ من قانون أصول المحاكمات المدنية[٢] لحل هذا الإختلاف من قبل محكمة التمييز بهيئتها العامة، بصفتها الهيئة القضائية الأعلى في التنظيم القضائي العادي. بالتالي، اعتبر انه في هذه الحالة الخاصة والإستثنائية جدا من حالات الإختلاف السلبي ما بين مجلس النواب الجالس بصفته هيئة اتهامية ومحكمة التمييز، فان الغلبة يفترض أن تكون للهيئة الأسمى، أي لمجلس النواب.
 
لجميع هذه الأسباب، يبقى على المجلس النيابي الذي يلتئم للفصل في الدفع بعدم الصلاحية المدلى أمامه وبالتالي عليه بمعرض تقرير ذلك تفسير المادة ٧٠ من الدستور، عبر التطرق الى المسائل التي يطرحها تطبيق هذه المادة والتي سبق أن فصل فيها قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وهي الآتية:
 
·        هل ان صلاحية كل من مجلس النواب/المجلس الأعلى والمحاكم العادية حاجبة صلاحية المرجع الآخر أم ان هذه الصلاحية مزدوجة؟ وبالنسبة لأية أفعال؟
 
·        هل هناك أفعال جرمية يمكن أن تبقى خاضعة لصلاحية مجلس النواب والمجلس الأعلى؟
 
·        ما هو تعريف "الأفعال المؤلفة للواجبات المترتبة على الوزير"؟ وبماذا تختلف عن الجرائم العادية؟
 
 
 
ثانيا:    صلاحية مجلس النواب في تفسير المادة ٧٠ من الدستور في معرض نظره في عريضة اتهام
 
ينبغي التنبه الى ان المجلس النيابي يقوم بوظيفة قضائية في اطار تنفيذ المادة ٧٠ من الدستور حين يلتئم للنظر في عرائض الإتهام النيابية المقدمة وفقا للقانون رقم ١٣ المتعلق بأصول المحاكمات لدى المجلس الأعلى. وبهذه الصفة، على المجلس النيابي أن يتبع أصول الملاحقة والتحقيق والإتهام والمحاكمة الخاصة الواردة في هذا القانون، وكذلك الأصول العامة المنصوص عنها في قانوني أصول المحاكمات المدنة والجزائية في كل ما لم يأتي عليه نص خاص[٣].
 
وعلى المجلس النيابي أن يقوم بشكل طبيعي وبديهي بعملية تفسير المادة ٧٠ من الدستور وذلك للبت في أي دفع أو دفاع يتعلق بصلاحيته، تماما كما فعلت جميع الهيئات القضائية التي تعاملت مع اي من الشكاوى المقدمة ضد وزراء أو وزراء سابقين، وكان أبرزها الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وفي الواقع، فقد جرت اثارة مسألة صلاحية المجلس للنظر في موضوع عريضتي الإتهام المحالتان اليه (خاصة بالنسبة لعريضة الوزير بارصوميان)؛ وبات على المجلس أن يطرح على نفسه مسألة تفسير المادة ٧٠ من الدستور، تماما كما فعلت الهيئة العامة لمحكمة التمييز التي أوردت في احدى حيثيات قرارها ما يأتي، وهو تعليل نقترح على المجلس النيابي اعتماده بالتمام:
 
"... وحيث انه اذا كان تفسير احكام الدستور يعود الى السلطة التشريعية بما يصدر عنها من قوانين تفسيرية له، الا انه في غياب القانون التفسيري لهذه الأحكام وتأسيسا على القاعدة القائلة بان قاضي الأصل هو قاضي الفرع، فانه ليس ما يمنع القاضي الجزائي الناظر في الدعوى من تفسير الأحكام الدستورية اذا وجد ضرورة لذلك لبت الدفع المدلى به امامه ويبقى تفسيره لها مقتصرا على الدعوى المعروضة عليه ولا يرقى الى مرتبة القاعدة العامة كما هي الحال في القانون التفسيري الصادر عن المجلس النيابي فلا يشكل ذلك مسألة معترضة ..."
 
لا شك أن الهيئة العامة أشارت الى ممارسة باتت شائعة في عدد من الأنظمة الدستورية هي "القوانين التفسيرية"، وهي في مطلق الأحوال لا تعني الا الحالات العادية في عمل المجلس، أي تلك التي لا يقوم فيها المجلس بتأدية دور قضائي.
 
ان صلاحية المجلس في تفسير النصوص الدستورية جديرة بأن يشار اليها بعجالة سريعة، ولو لم يكن لها أي تأثير مباشر على المسألة المعروضة بشكل مباشر على المجلس النيابي في معرض وظيفته القضائية. وقد استأثرت مسألة تفسير الدستور اهتمام واضعي ميثاق الوفاق الوطني، الذي أولى المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور، الا أن هذه الصلاحية اسقطت من تعداد المهام والصلاحيات التي منحها القانون للمجلس الدستوري في قانون انشاء هذا المجلس[٤].
نادرا ما يلجأ مجلس النواب الى صنع قوانين تفسيرية، بل يكتفي بتفسير الدستور أو القاون العادي ليبنى على الشيء مقتضاء في أي عمل تشريعي أو رقابي أو انتخابي[٥]. وغالبا ما يلجأ المجلس النيابي اللبناني الى استشارة الفقهاء القانونيين المختلفين لتوضيح مسألة دستورية معينة[٦].
 
أما القوانين التفسيرية، فهي ممارسة واسعة تعرضت لإنتقادات شديدة من الفقه القانوني والدستوري، كونها غالبا ما كانت تستغل للإلتفاف حول مبدأ عدم جواز اعطاء القوانين المفعول الرجعي، أو عدم جواز تدخل المجلس النيابي في ملفات خاصة عالقة أمام القضاء[٧]. ونعتبر أنه اذا ما قرر المجلس النيابي التصويت على قانون تفسيري للدستور، فلا يسعه اجراء ذلك الا عبر اتباع الأصول التشريعية الخاصة بتعديل الدستور دون الأصول المتعلقة بالتشريع العادي.
 
ثالثا:    تفسير المادة ٧٠ من الدستور
 
نص الدستور اللبناني في مادتيه ٦٠ و٧٠ على ثلاثة انواع من الأفعال التي يمكن أن تكون موضع صلاحية المجلس النيابي والمجلس الأعلى، وهي: الخيانة العظمى، الإخلال بالواجبات المترتبة [على الوظيفة] والجرائم العادية. وقد اختلفت المحاكم في الحالات التي تكون فيها هذه الأفعال من صلاحية المجلس أو القضاء الجزائي الحصرية (الصلاحية الحاجبة) أو من صلاحيتهما المشتركة.لذلك يقتضي تفسير المادة ٧٠ لتحديد صلاحية كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى والمحاكم الجزائية في الملاحقة والإتهام والمحاكمة لكل نوع من انواع هذه الأفعال.
 
نصت المادة ٦٠ من الدستور على ما يأتي:
 
"لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته الا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى.
أما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة. ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم أو لعلتي خرق الدستور والخيانة العظمى الا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع اعضائه ويحاكم امام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة ثمانين ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى الى قاض تعينه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها."
 
نصت المادة ٧٠ من الدستور على ما يأتي:
 
"لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز أن يصدر قرار الإتهام الا بغالبية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس. ويحدد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية."
 
في مقارنة أولية لنصي المادة ٦٠ و٧٠ يمكن استخلاص ما يأتي كما ورد في قرار الهيئة الإتهامية في شكوى الحق العام ضد الزير فؤاد السنيورة:
 
"... ان المادة ٧٠ من الدستور فرقت في مضمونها بين فئتين من الأفعال بالنسبة الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، فئة تتأتى من اخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم يعود شأنها الى المجلس النيابي والمجلس الأعلى، وفئة تولف جرائم عادية تبقى الملاحقة والمحاكمة في صددها من صلاحية القضاء الجزائي العادي، علما أن صلاحية المرجعين هي حصرية وخاصة بكل منهما حاجبة صلاحية اي مرجع آخر مقيدة فقط بطبيعة الفعل المرتكب ومدى تحقق صفته كفعل مخل بالموجبات المترتبة على رئيس مجلس الوزراء او الوزرائ، او صفته كجريمة عادية ...".
 
 
١ -     ان صلاحية القضاء الجزائي حاجبة لصلاحية مجلس النواب بالنسبة للجرائم العادية المنصوص عنها في قانون العقوبات،
 
لم تتضمن المادة ٧٠ المتعلقة برئيس مجلس الوزراء والوزراء أية اشارة الى الجرائم العادية بخلاف المادة ٦٠ المتعلقة برئيس الجمهورية. ويستنتج من ذلك بوضوح ان هذه الجرائم تبقي فيها الصلاحية كاملة وحصرية للقضاء الجزائي العادي؛ بمعنى أنه لا صلاحية لمجلس النواب للنظر في عرائض تتعلق بأفعال جرمية نص عليها قانون العقوبات. هذا ما ذهبت اليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في دعوى الحق العام ضد الوزير فؤاد السنيورة حيث ورد في احدى الحيثيات ما يأتي:
 
 "وحيث ان هذه الفوارق بين المادتين ٦٠ و٧٠ من الدستور تجد تفسيرها في أن المادة ٦٠ ارادت بالنسبة الى الجرائم العادية المرتكبة من رئيس الجمهورية الخروج عن القاعدة العامة التي تولي القضاء الجزائي العادي صلاحية للنظر في شأنها وملاحقتها، فكان لا بد لذلك تكريسا لهذا الإستثناء من تضمين المادة ٦٠ من الدستور نصا صريحا بهذا الصدد. اما في ما خص ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالنسبة الى الجرائم العادية المرتكبة منهم، فان المادة ٧٠ من الدستور لم تشأ اخراجها من نطاق القاعدة العامة التي تولي القضاء الجزائي العادي صلاحية في شأنها، فلم يكن هنالك من حاجة الى تضمين المادة ٧٠ من الدستور نصا صريحا مخالفا للقاعدة العامة المذكورة خلافا لما ذهبت اليه المادة ٦٠ من الدستور بالنسبة الى رئيس الجمهورية، بمعنى ان المادة ٧٠ من الدستور ساوت في ما بين رئيس مجلس الوزراء والوزراء في ما خص الخيانة العظمى والإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، وبين رئيس الجمهورية لجهة تولية الصلاحية في شأن الملاحقة والمحاكمة للمجلس النيابي وللمجلس ...، أما في ما خص الجرائم العادية المرتكبة من رئيس الوزراء والوزراء، فابقت المادة ٧٠ على صلاحية القضاء العادي خلافا لما هي الحال بالنسبة الى الجرائم العادية المرتكبة من رئيس الجمهورية".
 
ونعتبر أن نية المشرع الدستوري اللبناني انصرفت الى توسيع صلاحية المحاكم العادية قدر الإمكان والتضييق على صلاحية مجلس النواب والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء واعتمادعا في حالات قليلة جدا واستثنائية. ويندرج ذلك برأينا في سياق سياسة تشريعية واضحة تخشى تسييس العدالة وخرق مبدأ مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، ومنهم الوزراء والنواب[٨].
 
ويدخل في عداد الجرائم التي يمكن أن ترتكب في معرض الوظيفة الوزارية، تلك المنصوص عنها في الفصل من قانون العقوبات المتعلقة بالجرائم المخلة بواجبات الوظيفة (المادة ٣٥١ وما يليها) ومنها: الرشوة مقابل عمل شرعي (م ٣٥١) والرشوة مقابل عمل غير شرعي (م ٣٥٢)، عرض هدية مقابل اجر غير واجب (م ٣٥٥ و٣٥٦)، اجر غير واجب بقصد انالة الغير وظيفة (م ٣٥٧)، اختلاس اموال عامة (م ٣٥٩)، اختلاس بدس كتابات غير صحيحة (م ٣٦٠)، اكراه موظف لشخص على الأداء (م ٣٥٦)، غش في أموال الدولة (م ٣٦٣)، حصول على منفعة شخصية من معاملات الإدارة (م ٣٦٤)، اتجار متولي السلطة العامة في المناطق نفوذهم (م ٣٦٥). وتجدر الإشارة الى أن الوزير من الأشخاص المعنيين بجميع هذه المواد وفق ما حددته المادة ٣٥١ كالآتي: "كل موظف وكل شخص ندب الى خدمة عامة سواء بالإنتخاب أو بالتعيين ...".
 
 
٢ -     ان صلاحية مجلس النواب حاجبة لصلاحية المحاكم الجزائية بالنسبة للأفعال التي تشكل الخيانة العظمى والإخلال بالواجبات المترتبة على الوزراء:
 
بحيث يبقى مجلس النواب والمجلس الأعلى الجهة الصالحة وحدها لملاحقة الوزراء والتحقيق معهم ومحاكمتهم في هذه الحالات الأخيرة. ومرد ذلك الطبيعة السياسية للأفعال التي تشكل الإخلال بالواجبات المترتبة على الوزراء، التي لاعناصر أو مرتكزات قانونية لها سوى أنها ليست من الجرائم العادية. وتشكل ملاحقة المجلس على أساسها في معرض كل حالة، بمثابة وصف خاص للفعل مما يجعل تحديدها سياسي بامتياز، ووجه من وجوه المحاسبة القضائية يجريها المجلس النيابي لأفعال يمكن أن تقع في اطار المحاسبة السياسية، كمثل التقصير الوظيفي الخطير أو مخالفة أحكام للدستور، كأن يرفض الوزير التوقيع على مرسوم صادق عليه مجلس الوزراء.
 
وقد حاولت الهيئة العمة لمحكمة التمييز وضع تعريف "للأفعال المؤلفة للواجبات المترتبة على الوزير" واعطاء بعض الأمثلة عليها؛ لكن الهيئة العامة برأينا دخلت في عملية تمييز لا حاجة اليها برأينا ما بين "الواجبات الداخلة ضمن صلاحية الوزير والمتصلة مباشرة بممارسة مهامه القانونية الوزارية" والمعتبرة داخلة في ضلاحية المجلس النيابي، "والأفعال الجرمية المرتكبة من الوزير في معرض ممارسته مهماته" وأيضا "تلك المرتكبة منه في حياته الخاصة" التي تبقى خاضعة لصلاحية القضاء الجزائي العادي دون مجلس النواب باعتبارها جرائم عادية. كما اعتبرت الهيئة العامة انه لا تدخل في مفهوم المادة ٧٠ "الأفعال ذات الصفة الجرمية الفاضحة التي تؤلف تحويلا للسلطة عن طريق احلال المصلحة الخاصة مكان المصلحة العامة مما يمنع بسبب طابعها هذا من دون امكان وصفها بالأفعال المتصلة مباشرة بعمل الوزير ومهماته".
 
نعتبر أنه لا حاجة لهذا التمييز في أنواع الأفعال الجرمية التي تدخل ارباكا في عملية تفسير وتطبيق المادة ٧٠. ويكفي لتعريف "الأفعال المؤلفة للواجبات المترتبة على الوزير" القول انها الأفعال التي وضعت لها القوانين وصفا جزائيا.
 
وتجدر الإشارة الى أن النص الدستوري اللبناني مختلف تماما عن النص الدستوري الفرنسي للجمهورية الثالثة (الفقرة الثانية من المادة السادسة من القانون الدستورية تاريخ ٢٥ شباط ١٨٧٥) التي يتفق الفقهاء على أن الدستور اللبناني استلهم احكامه مع بعض التعديلات التي أثر في اجرائها العالم الدستوري Leon Duguit. فقد ورد في الدستور الفرنسي جواز للمجلس اتهام الوزراء "بارتكابهم الخيانة العظمى أو باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم"، ولم يتضمن الى أية اشارة الى النص الآتي:
 
Article ٦, al ٢ de la loi constitutionnelle du ٢٥ fevrier ١٨٧٥: “Les ministres peuvent etre mis en accusation par la chambre des deputes pour crimes commis dans l’exercice de leurs fonctions. En ce cas, ils sont juges par le senat ».
 
في حين أن الدستور اللبناني نص على حق المجلس، اذا ما اختار ذلك، في اتهام الوزراء "بارتكابهم الخيانة العظمى أو باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم"، ولم يتضمن الى أية اشارة الى الجرائم المرتكبة في معرض ممارسته مهماته. وبالتالي، ليس هناك من مجال في القانون اللبناني للتوقف عما اذا كانت الأفعال الجرمية مرتكبة في معرض ممارسة المهمات الوزارية أو خارجها. وتكون بالتالي جميع الجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات واقعة في صلاحية المحاكم الجزائية العادية.
 
 


[١] في الواقع، ان تفسير المادة ٦٠ لا تثير اشكالات، بخلاف المادة ٧٠، وهي حقيقة المادة التي يثير تفسيرها بعض الإشكالات التي تضاربت المحاكم في تفسيرها.
[٢] المادة ١١٤ أصول محاكمات مدنية: "يكون لكل ذي مصلحة طلب تعيين المرجع الصالح للبت في مثل هذه التنازع وذلك من محكمة النقض بهيئتها العامة بصفتها الهيئة القضائية الأعلى في التنظيم القضائي العادي".
[٣] المادة ٦ أ.م.م.: تتبع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية اذا وجد نقص في القوانين والقواعد الإجرائية الأخرى.
 
[٤] وقد ورد في وثيقة الوفاق الوطني النص الآتي: "ينشأ مجلس دستوري لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين والبت بالنزاعات والطعون الناشئة عن الإنتخابات الرئاسية والنيابية"؛ في حين أن قانون انشاء المجلس الدستوري اسقط من صلاحيات هذا المجلس صلاحية تفسير الدستور.
[٥]  Edmond Rabbath, “La constitution Libanaise: origins, texts et commentaries », p. ١٥٣ et ١٥٤ ; voir aussi Eugene Pierre , « traite de droit politique, electoral et parlementaire, TI, p. ٩٣ et s.
[٦] راجع في هذا المجال الأمثلة العديدة المنشورة في كتاب الأستاذ بشاره منسى "الدستور اللبناني – احكامه وتفسيرها الدراسات والوثائق المتعلقة به" ١٩٩٨.
[٧] راجع في موضوع القوانين التفسيرية: Leon Duguit, Traite de Droit Constitutionnel, TIII, p. ٢٦٧ et s
[٨] Que pour juger certains crimes et certaines personnes l’on institute une haute cour de justice speciale, …, ou que l’on attribute competence a une assemblee politique, on viole le principe de l’egalite de tous devant la loi, on cree une jurisdiction extraordinaire avec l’arriere-pensee qu’elle sera moins impartiale que les tribunaux de droit commun. Cela condamne le systeme. (Leon Duguit, « Traite de droit constitutionnel, TIV, p٤٧٤)



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures