In Parliament
Questions


Click to share article:

سؤال عن المخالفات في مرحلة الاستقصاء

 

سؤال
 
موجه من:       النائب غسان مخيبر
 
الى:              الحكومة والى معالي وزير العدل
 
الموضوع:      مخالفات خطيرة لأحكام واصول قانونية جوهرية في مرحلة الإستقصاء/التحقيق الأولي
 
أتوجه الى الحكومة مجتمعة بصفتها المسؤولة سياسيا واداريا عن الهيئات والإدارات والأجهزة المختلفة المعنية بهذا السؤال وعن حسن تطبيق القوانين؛ كما اتوجه الى معالي وزير العدل، بصفته الوزير المسؤول وفقا لأحكام المادة ٤٨ من قانون القضاء العدلي، عن قضاة النيابة العامة الذين يخضعون لسلطته، وهم بدورهم مشرفون ومسؤولون عن أعمال الضابطة العدلية ومساعديها.
 
الموضوع سؤال كل من الحكومة ووزير العدل بشأن مخالفات خطيرة لأحكام وأصول قانونية جوهرية في مرحلة الإستقصاء/التحقيق الأولي الذي يجري بواسطة النيابة العامة والضابطة العدلية ومساعديها؛ هذه المخالفات باتت متكررة بشكل مقلق في بعض الحالات المرتبطة بشكل او بآخر بالسياسة او بممارسة حقوق وحريات مدنية وسياسية، العديد منها موثق وثابت بشكل لا يرقى اليه الشك. سوف نتطرق في هذه السؤال تحديدا الى انواع المخالفات الثلاثة الآتية:
 
نوع المخالفة الأول:     استمرار الإحتجاز لأكثر من الحد القانوني الأقصى في مرحلة الإستقصاء، أي مدة ثمان واربعين ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة لفترة مماثلة بقرار من النيابة العامة؛ وذلك بمخالفة صريحة للمادة ٤٧ من قانون أصول المحاكمات الجزائية ("أ.م.ج.").
نوع المخالفة الثاني:     قيام عناصر من مخابرات الجيش باداء وظيفة مساعدي الضابطة العدلية وهي لا تتمتع بحق اداء هذه الوظيفة قانونا؛ بمخالفة صريحة للمادة ٣٨ أ.م.ج. والمادة ١٩ من قانون تنظيم القضاء العسكري.
 
نوع المخالفة الثالث:     ممارسة اعمال الشدة والتعذيب خلال فترة الاحتجاز، بمخالفة صريحة للمادة ٤٠١ و٥٥٤ من قانون العقوبات و"اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملةاو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" التي ابرمها لبنان.
 
اضافة الى كونها تشكل انتهاك للدستور وللمعاهدات الدولية والقوانين ذات الصلة الضامنة للحريات العامة الأساسية وحقوق الإنسان، تشكل جميع هذه المخالفات عند حصولها جرائم خطيرة معاقب عليها في قانون العقوبات اللبناني، لا سيما المادة ٣٦٧ من قانون العقوبات المتعلقة بجرم احتجاز الحرية  والمادة ٤٠١ المتعلقة بجرم انتزاع الإقرار والمعلومات والمادة ٥٥٤ وما يليها من قانون العقوبات المتعلقة بالضرب والإيذاء.
 
ان هذه المخالفات لا تفيد الحاجة الى قمع الجرائم والإقتصاص من المجرمين لأنها تؤدي الى التسبب بابطال اعمال التحقيق التي نتجت عنها سنداً الى أحكام المادة ١٩٠ أ.م.ج.، ناهيكم عن الإساءة الى لبنان والى منطق دولة الحق والقانون فيه والإساءة الى القضاء والأجهزة الأمنية التي نحرص عليها وعلى فعاليتها كل الحرص والتي ننتظر منها الكثير في حماية المواطن في امنه وكرامته وحرياته.
 
نرفق بهذا السؤال كجزء مكمل لا يتجزأ منه، دراسة قانونية موجزة، توضح بداية المنطلقات المبدئية لهذا السؤال، ثم تستعرض انواع المخالفات الثلاثة، ضاربين بعض الأمثلة الموثقة عليها ومبينين سبب مخالفتها للقانون ومستخلصين الجرائم التي تشكلها واسسها القانونية.
 
ان اثارة انواع المخالفات الثلاثة هذه بالذات تطرح بالحاح مسألة أشمل تتعلق بكيفية التعاطي مع المخالفات المتكررة او المتمادية لأصول المحاكمات الجزائية، ودور ومسؤولية السلطات السياسية والقضائية المعنية في منع حصولها والإقتصاص من المسؤولين عنها وتأديبهم والتأكد من حسن تطبيق قانون أصول المحاكمات الجزائية.
 
بناء عليه، وبشكل خاص، نسأل الحكومة ومعالي وزير العدل:
 
أولا:    لماذا لم تتحرك الوزارات المعنيةووزارة العدل والنيابات العامة المختصةللتحقيق بجرائم حجز الحرية والتعذيب التي اثيرت وتثار في وسائل الإعلام ولملاحقة جميع المسؤولوين عنها جزائيا ومسلكيا؟
 
ثانيا:    ما هي التدابير التي اتخذتها الوزارات المعنيةووزارة العدل والنيابات العامة المختصة لمنع حصول وتكرار مثل هذه الإنتهاكات للقانون في المستقبل؟
 
ثالثا:    ما هي التدابير التي اتخذتها الحكومة أو التي تنوي اتخاذها تنفيذا لإلتزامات لبنان من ابرامه "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملةاو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".
 
أتوجه بهذهالأسئلة راجيا الإجابة عنها في اقرب وقت ممكن وفي مطلق الأحوال ضمن مهلة الخمسة عشر يوما القانونية.
 
                                                                   وتفضلوا بقبول الاحترام،
 
 
                                                                   غسان مخيبر


دراسة قانونية موجزة
مرفقة بسؤال النائب غسان مخيبر الى الحكومة ووزير العدل
في موضوع مخالفات خطيرة لأحكام واصول قانونية جوهرية
في مرحلة الإستقصاء / التحقيق الأولي
 
يهمني التأكيد بادئ ذي بدء على مجموعة من الملاحظات المبدئية الآتية:
 
أولا:    ان ما يحملني على توجيه السؤال هي مسؤوليتي كنائب وكمواطن في الدفاع عن المصلحة العامة وعن دولة الحق والقانون دون سواهما، ولا شأن لي في ذلك بالدفاع عن أية حالة خاصة التي تبقى المراجعة بشأنها من صلاحية المحاكم المختصة. ان ما يوجب المساءلة السياسية العامة في هذا السؤال النيابي، هي الصفة المتكررة لعدد من المخالفات التي اثيرها لاتقترن بملاحقات وتدابير تأديبية؛ وكون هذه المخالفات غالبا ما تترافق باستقصاءات مرتبطة بالسياسة بشكل او بآخر أو بممارسة حقوق وحريات مدنية وسياسية. ولن تكون اشارتي في معرض هذا لسؤال الى عدد من الحالات الخاصة، سوى على سبيل الأمثلة المختارة كونها حصلت مؤخرا بشكل علني وثابت لا يرقى اليها الشك وتناقلتها وسائل الإعلام.
 
ثانيا:    لا علاقة للمخالفات موضوع هذا السؤال، وهي تتعلق بأصول التوقيف والتحقيق، بمضمون الأفعال التي يجري الإستقصاء حولها. واسارع للتأكيد انني من الذين يرحبون بأي عمل اداري أو قضائي يسعى الى قمع الجرائم ومكافحة الفساد المستشري في لبنان على جميع المستويات، انما شرط احترام القانون وضمانات المحاكمات العادلة وبخاصة قانون اصول المحاكمات الجزائية، وقد سمي قانون الشرفاء. ونؤكد انه مهما كانت الأفعالاو الجرائم موضوع أيتحقيق أولي خطيرة أو مشينة، ومهما كان ظاهر الحال يدين أم لا الأشخاص المتداولة أسماؤهم فيها، يبقى أن الضمانات التي توفرها قواعد المحاكمات العادلة لأي انسان لا يمكن مخالفتها أو الخروج عليها، والا كان من نتيجة ذلك تداعي أسس وقيم "دولة الحق والقانون" التي يقوم عليها لبنان.
 
ويفيد التذكير بأن القانون اللبناني تضمن مجموعة مبادئ جوهرية تؤدي الى صون الحقوق والحريات الأساسية في اطار اتباع أصول التحقيق والمحاكمات الجزائية. أولها يتعلق بالحرية والسلامة الشخصية التي نصت عليها المادة ٨ من الدستور كما يلي: "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف الا وفقا لأحكام القانون "، وتفسير القانون لا يمكن الا ان يكون حصريا كونه يرتبط بتلك الحرية الأساسية. أما المبدأ الثاني فهو قرينة البراءة، والمبدأ الثالث هو توفير حق الدفاع؛ وقد نصت المادة ١١ فقرة أولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على هذين المبدأين كما يلي: "كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا الى أن تثبت ادانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه."
 
ثالثا:    لا شيئ يبرر مخالفة القانون بشكل عام، وقانون اصول المحاكمات الجزائية بشكل خاص. ونسارع للتأكيد الى أنه ليس هناك من تعارض بين مستلزمات تحقيق الأمن ومكافحة الفساد وتعقب الجرائم ومعاقبة المجرمين من جهة، وحسن تطبيق أصول المحاكمات الجزائية وصيانة الحريات الأساسية وحقوق الانسان من جهة أخرى، لأن تطبيق القانون يعطي الوسائل اللازمة والكافية لتحقيق جميع هذه الأهداف التي تبدو بالنسبة للقلة من البعض وفي ظاهرها فقط كأنها في مواجهة دائمة. فحماية الأمن هي من حماية القانون الذي يصون الحريات وحقوق الإنسان.
 
أما بعد، فسوف نستعرض انواع المخالفات الثلاثة موضوع السؤال، ضاربين بعض الأمثلة عليها ومبينين سبب مخالفتها للقانون.
 
نوع المخالفة الأول:     تجاوز مدة الحد الأقصى القانوني للإحتجاز في مرحلة الإستقصاء
 
لقد ثبت لنا وللرأي العام ان عدد من المواطنين قد تم احتجازهم لدى مساعدي الضابطة العدلية او لدى اجهزة امنية مختلفة لمدة اطول من الحد الأقصى الذي يجيزه القانون قبل صدور أي قرار توقيف بحسب الأصول من المرجع القضائي الصالح. ومن الأمثلة على ذلك حالة السيد حسن ن.الذي استدعي "للتحقيق" الى ثكنة زغيب في صيدا في قضية يبدو انها متصلة بمنشور، ففعل بتاريخ ١٠/١٢/٢٠٠٢ وبقي قيد الإحتجاز حتى ١٩/١٢/٢٠٠٢ (أي عشرة أيام). وكذلك حالة كل من السيدين ماجد قسطنطين ورودي بارودي الذين استدعيا "للتحقيق" لدى دوائر مساعدي الضابطة العدلية في بيروت، فاحتجز الأول لمدة ١١ يوما والثاني لمدة ٨ ايام بقرار من النيابة العامة التمييزية. وفي حين ان وقائع الحالة الأولى لم يكترث لها احد واتصلت بعلم الموقع ادناه الشخصية، كانت الحالتان الأخريان موضع اهتمام كبير من وسائل الإعلام، التي لم تشر أي منها الى المخالفة موضوع هذا السؤال.
 
بالعودة الى أحكام القانون، فقد نصت المادة ٤٧ من قانون أصول الحاكمات الجزائية صراحة على أنه [...] "يحظر [على الضباط العدليون، بصفتهم مساعدي النيابة العامة] احتجاز المشتبه فيه في نظارتهم الا بقرار من النيابة العامة وضمن مدة لا تزيد على ثمان وأربعين ساعة. يمكن تمديدها مدة مماثلة فقط بناء على موافقة النيابة العامة."
 
كما نصت المادة ٤٨ من ذات القانون أنه "اذا خالف الضابط العدلي الأصول المتعلقة باحتجاز المدعى عليه أو المشتبه فيه فيتعرض للملاحقة بجريمة حجز الحرية المنصوص والمعاقب عليها في المادة ٣٦٧ من قانون العقوبات بالإضافة الى العقوبة المسلكية سواء أكانت الجريمة مشهودة أ غير مشهودة."
 
وبالتالي، وبعد انقضاء اليومين الأولين على التوقيف، أو بعد انقضاء أية فترة احتجاز اضافية اذا ما كان صدر عن النيابة العامة ذات الصلاحية قرار بتمديد فترة الإحتجاز، وفي مطلق الأحوال منذ اليوم الرابع للإحتجاز، يكون كل مواطن يبقى قيد الإحتجاز في حالة حجز الحرية، الجرم الذي نصت عليه المادة ٣٦٧ عقوبات كما يأتي: "كل موظف أوقف أو حبس شخصا في غير الحالات التي ينص عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة"؛ كما نص قانون العقوبات اكمالا لأحكام المادة ٣٦٧ على "ان مديري وحراس السجون أو المعاهد التأديبية أو الاصلاحيات وكل من اضطلع بصلاحيتهم من الموظفين اذا قبلوا شخصا دون مذكرة قضائية أو قرار قضائي أو استبقوه الى أبعد من الأجل المحدد يعاقبون بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات" (المادة ٣٦٨ عقوبات).
 
لا يردّ على ذلك بالقول ان النيابة العامة والضابطة العدلية ومساعديها يحتاجون للوقت من اجل استقصاء الجرائم وجمع الأدلة بشأنها، وكل هذه الأعمال مشكورة لا بل مطالب بها. انما مسألة الوقت تصطدم بمجموعة كبيرة من الردود اهمها الآتية:
 
١ -         صراحة النص التي وضعت حد زمني مطلق لأعمال النيابة العامة والضابطة العدلية ومساعديها في احتجاز الأفراد. ويجدر التذكير، ان هذه الفترة كانت ٢٤ ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة في الصيغة الأولى للقانون، حتى رفعت الى حدها الأقصى الحالي بتعديل خاص للمادة ٤٧ أ.م.ج. اقره المجلس النيابي لإعطاء النيابة العامة متسعا اكثر من الوقت.
 
٢ -         ان اعمال الإستقصاء يفترض الا تقتصر على اقوال الأشخاص التي تحوم شبهات حولهم، ولا حتى على اقوال الشهود وحسب، بل تتجاوزها الى خبرات واعمال علمية وفنية وطبية، تشكل هي ادلة وقرائن تفيد جلاء الحقيقة غالبا اكثر من تقاطع التصريحات.
 
٣ -         ان الإحتجاز لدى مساعدي الضابطة العدلية عمل استثنائي جدا، لأنه يخرق مبدأ قرينة البراءة، وبالتالي، يفترض ان لا يكون اللجوء اليه الا في حالات استثنائية جدا، لا أن يتحول الى ممارسة شبه روتينية في حالات عديدة لا يقتضيها الإستقصاء اطلاقا.
 
٤ -         يفترض النظام القانوني اللبناني والفلسفة التشريعية الجزائية المرتبطة به، خاصة خارج اطار الجرم المشهود، ان النيابة العامة تدعي وتحتجز لفترة وجيزة على اساس الشبهة ولا يعود لها مهمة التحقيق بالجرائم التي هي من صلاحية قضاء التحقيق والمحاكم دون سواهم. فالنيابة العامة (والضابطة العدلية ومساعديهم)، على اهمية الدور الذي تلعبه في استقصاء الجرائم، تبقى طرفا في الدعوى الجزائية، وهي لا تتمتع بصلاحيات زجرية اسوة بقضاء التحقيق والحكم: فهي مثلا لا يمكنها ارغام احد على الحضور اسوة بقرارات الدعوة والإحضار والتوقيف التي لا يحق اتخاذها الا من قبل قضاة التحقيق والمحاكم المختصة؛ كما ان الضابطة العدلية تستمع، ولا تستجوب، الشهود والأشخاص المشكو منهم او المشتبه فيهم؛ وينص القانون صراحة انه "... ان امتنعوا او التزموا الصمت فيشار الى ذلك في المحضر ولا يحق لهم اكراههم على الكلام او استجوابهم تحت طائلة بطلان افادتهم." (المادة ٤٧ أ.م.ج.).
 
نوع المخالفة الثاني:     تكليف مخابرات الجيش بوظيفة مساعد الضابطة العدلية وهي لا تتمتع بهذه الوظيفة قانونا
 
لقد ثبت لنا وللرأي العام ان النيابة العامة تكلف في بعض الحالات مخابرات الجيش باعمال الإستقصاء والتحقيق الأولي. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك حالة السيدين ماجد قسطنطين ورودي بارودي الذين احيلا الى هذا الجهاز الأمني بقرار من النيابة العامة التمييزية؛ وحالة عدد من المواطنين في زحلة المنتمين الى "التيار الوطني الحر" الذين جري استدعاءهم الى التحقيق من قبل هذا الجهاز الأمني (راجع على سبيل المثال، عددي صحيفة النهار تاريخ ٢٩/٦/٢٠٠٤ وتاريخ ٢٢/٧/٢٠٠٤ صفحة حوادث القضاء والقدر).
 
ان المهمات التي يلقيها القانون على مديرية مخابرات الجيش هي بغاية الأهمية بالنسبة لأمن الوطن وحمايته، وقد حددها القانون "بالتقصي عن الأخطار التي تستهدف امن الجيش مع اقتراح الحلول لدرئها وتنظيم وادارة الإستعلام المتعلق بذلك تحقيقا لهذه الغاية ..." (المادة ٤ من قانون التنظيم الإداري العام للجيش). وقد اشار اتفاق الطائف في باب الإصلاحات السياسية حصر دور المخابرات بالأمن العسكري وعدم تجاوزه للمدنيين.
 
ونحن من زاوية حرصنا الشديد على فعالية تنفيذ هذه المهام وعلى سمعة الجيش الوطني ورفعته، نؤكد ان القوانين ذات الصلة لم تول مديرية المخابرات أية صلاحية تسمح بتكليفها بوظيفة من وظائف مساعدي الضابطة العدلية في اجراء أي من عمليات الإستقصاء أو التحقيق، ان بالنسبة للجرائم والجنح بشكل عام، او حتى بالنسبة لتلك الداخلة ضمن ولاية المحكمة العسكرية بشكل خاص.
 
حددت المادة ٣٨ أ.م.ج. مساعديالضابطة العدلية بشكل حصري بالمحافظين والقائمقامين ومدير قوى الأمن الداخلي والشرطة القضائية وضباتها ورتباء التحقيق ورؤساء المخافر، ومدير الأمن العام وضباطه ورتباء التحقيق في الجهاز المذكور، ومدير أمن الدولة ونائبه وضباطه ورتباء التحقيق فيه، ومخاتير القرى وقادة السفن البحرية والطائرات والمركبات الجوية.
 
كما حددت المادة ١٩ من قانون القضاء العسكري مساعدي الضابطة العسكرية في الحالات الإستثنائية التي يقوم فيها هؤلاء بتولي صلاحيات الإستقصاء تبعا لصلاحية المحكمة العسكرية وهم: مفوض الحكومة ومعاونوه وقضاة التحقيق لدى المحكمة العسكرية؛ الضباط والرتباء الذين يعينهم لهذه الغاية وزير الدفاع الوطني بناء على اقتراح السلطة العسكرية العليا؛ ضباط شرطة الجيش ورتباؤها ورؤساء مخافرها؛ رئيس قلم المحكمة العسكرية الدائمة بتكليف من مفوض الحكومة.
 
يتبين بوضوح مما تقدم أن مديرية المخابرات وعناصرها ليسوا في التعداد المذكور الذي ورد على سبيل الحصر، فلا يجوز بالتالي التوسع في تفسير القانون لهذه الجهة؛ وكان ذلك عن سابق تصور وتصميم تشريعي بعد مناقشات واضحة ومستفيضة بهذا الشأن عند اعداد اقتراح قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد ومناقشته.
نوع المخالفة الثالث:   ممارسة اعمال الشدو والتعذيب خلال فترة التوقيف
 
لأغراض هذا السؤال النيابي، نعتمد عبارة "التعذيب" بالمعنى المحدد لها في المادة الأولى من "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملةاو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" التي ابرمها لبنان بالقانون رقم ١٨٥ الصادر بتاريخ ٢٤/٥/٢٠٠٠، وهو الآتي: "لاغراض هذه الاتفاقية، يقصد "بالتعذيب" أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، او معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو ارغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الالم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية [...]."
 
لقد ثبت لنا وللرأي العام ان عدد من الأشخاص يجري ممارسة اعمال الشدة والتعذيب عليهم خلال فترة الإحتجاز أو التوقيف. يمكن ان نسوق كمثل عن هذه القناعة العامة، ما ورد على لسان رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية الدكتور مروان فارس، اذ قال: "نعم. تحدث حالات تعذيب في مخفر حبيش مثلا. يستخدم التعذيب بغية الوصول الى الحقيقة خارج اطار التعذيب. [...] هناك سجين رمى نفسه من الطبقة الثانية من السجن من جراء التعذيب الذي تعرض له!" (مجلة النجوى/المسيرة تاريخ ٢٦/٧/٢٠٠٤ العدد ٩٧٨ صفحة ١٣). ومن الأمثلة الحديثة على ممارسة اعمال الشدة والتعذيب حالة السيدين ماجد قسطنطين ورودي بارودي الذين تعرضا لمثل هذه الأعمال وفق ما اكده معالي وزير الطاقة والمياة الأستاذ أيوب حميد خلال جلسة عقدتها لجنة الأشغال العامة النيابية بتاريخ ١٣/٧/٢٠٠٤. وقد ثبتت هذه الأعمال بالنسبة لأحدهما (السيد بارودي) بموجب تقرير طبي وضعه طبيب شرعي بحسب الأصول.
 
ولا بد لنا من الإشارة الى ان مثل هذه التقارير الطبية نسبيا نادرة، رغم ان قانون اصول المحاكمات الجزائية، قصد وقف ممارسات التعذيب عبر اعطاء الحق بمعاينة الشخص المحتجز أو الموقوف من قبل طبيب يعينه النائب العام فور تقديم الطلب اليه من قبل الشخص المعني او بواسطة وكيله او احد افراد عائلته، وذلك دون حضور اي من الضباط العدليين (المادة ٤٧ أ.م.ج.). انما نلاحظ ان العديد من الأشخاص المحتجزين او الموقوفين الذين يخضعون لهذه المعاملات المشينة لا يمارسون هذا الحق الذي يوليهم اياه القانون، اما بسبب الجهل لحقوقهم القانونية او بسبب الخشية من عاقبة اسوأ او معاودة التعذيب اذا خالفوا قاعدة الصمت.
 
ولا بد من الإشارة الى ان بعض القضاة يقومون بين الحين والآخر باتخاذ القرارات الجريئة المناسبة، خاصة بالنسبة للحالات الأكثر حدة ووضوح، نسوق منها على سبيل المثال القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق الأول في لبنان الجنوبي احال بموجبه عدد من مساعدي الضابطة العدلية الى المحاكمة، وقد ورد فيه: "وتبين انه اثناء قيامم المدعى عليه الرقيب حسن ج. باستجواب معروف، اقدم على تعليقه بيديه وقدميه كالفروج واوسعه ضربا على رجليه وخاصرتيه وفخذيه بكرباج، سعيا الى انتزاع اقرار منه بالجرائم المنسوبة اليه، وذلك على مرأى من المدعى عليه الآخر المؤهل سليم م. ومسمعه. ثم طلب منه القفز على رجليه استدراكا لتورم القدمين. كما عمد الى صعق المدعي ولسعه في ساعديه ورجليه بالتيار الكهربائي، وحصل ذلك كله بعلم المدعى عليه فادي ر. [...] اجري له جراحة بتر خلالها الأصبع الخامس للقدم اليسرى بشكل جزئي، والأصبعين الثانية والثالثة في نهاية الظفر." (راجع جريدة النهار تاريخ ٢٩/١٠/٢٠٠٣ صفحة ٧).
 
اضافة الى مخالفتها الدستور وللمعاهدات الدولية والقوانين ذات الصلة الضامنة للحريات العامة الأساسية وحقوق الإنسان، تشكل اعمال الشدة والتعذيب جرائم خطيرة معاقب عليها في قانون العقوبات اللبناني، لا سيما المادة ٤٠١ المتعلقة بجرم انتزاع الإقرار والمعلومات والمادة ٥٥٤ وما يليها من قانون العقوبات المتعلقة بالضرب والإيذاء.
 
فضلا عن ان هذه المخالفات لا تفيد الحاجة الى قمع الجرائم والإقتصاص من المجرمين لأنها تؤدي الى ابطال اعمال التحقيق التي نتجت عنها سنداً الى أحكام المادة ١٩٠ أ.م.ج.، ناهيكم عن الإساءة الى لبنان والى منطق دولة الحق والقانون والإساءة الى القضاء والأجهزة الأمنية التي نحرص عليها وعلى فعاليتها كل الحرص والتي ننتظر منها الكثير في حماية المواطن في امنه وكرامته وحرياته.
 
لذلك، فان المطلوب وبالحاح، هو العمل على وقف مثل هذه الممارسات المشينة فورا وتنفيذ الإلتزامات التي اخذها لبنان على عاتقه في "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملةاو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، لا سيما لجهة ملاحقة جميع الفاعلين والمشاركين والمحرضين على جرائم التعذيب جزائيا ومسلكيا والإقتصاص منهم ليكونوا عبرة لغيرهم، والعمل على توسيع معرفة الناس بالحقوق التي اولاهم اياها القانون، لا سيما حق تعيين الطبيب، واخضاع جميع افراد مساعدي الضابطة العدلية لدورات تدريبية تتعلق بأصول التوقيف والتحقيق الصحيحة.
 
 
                                                                           



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures