In Parliament
Questions


Click to share article:

سؤال في موضوع المفقودين

 

سؤال
موجه من:       النائب غسان مخيبر
الى:              الحكومة    
الموضوع:      ضرورة حل قضية المفقودينالمختفين قسريا وتنقية ذاكرة الحروب
 
 
يحل علينا كل عام يوم ١٣ نيسان ليعيد رمزيا الى الأذهان ذاكرة الحروب البغيضة التي عصفت بلبنان منذ عام ١٩٧٥. وفي هذه المناسبة، تستحضرنا جميع الأفعال والسياسات الضرورية لإقفال ملفات هذه الحروب نهائيا لمنع تكرارها ولتعزيز السلم الأهلي، وهي اضافة الى حماية امن الوطن والمواطنين والدفاع عن حرية واستقلال وسيادة لبنان، تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية وحل واقفال ملف المهجرين بشكل كامل ونهائي وبناء الديمقراطية ودولة الحق والقانون المبنية على احترام الحريات وحقوق الإنسان وتحقيق التنمية في جميع المناطق. قد لا تتحقق السياسات ولا تتخذ الإجراءات الضرورية في هذه الملفات الحيوية بحسب ما يتطلب الواقع ونشتهيه نحن لوطننا، انما هذه القضايا هي على الأقل قيد المناقشة وفي قلب العمل السياسي المستمر.
 
لكن يبقى هناك ملف يجري تجاهله رسميا تجاهلا شبه كامل، يتمثل بضرورة حل قضية المفقودين المختفين قسريا بشكل جذري وتنقية ذاكرةالحروب في لبنان،لما فيه مصلحة جميع اللبنانيين أيا كانت الفئة التي ينتمون اليها، وذلك لإستعمالها ايجابيا"ذاكرة للمستقبل" من أجل جلاء الحقيقة كاملة وتعزيز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي. كل هذا لكي لا تقبع هذه الذاكرة في مستنقعات الماضي تغطيها طبقة رقيقة من النسيان وتغييب الحقيقة، بل لتبقى هذه الذاكرة شاهدة على ما تجره الحروب من ويلات ومآسي، خاصة بالنسبة للشعب الضحية بمختلف فئاته،ولكي تبقى شاهدة على حاجة اللبنانيين (والسوريين والفلسطينيين أيضا) الى حل جميع خلافاتهمبالطرق الديمقراطية والقانونية والسلمية، بلا قهر أو ظلم أو احباط. فالإتعاظ من الماضي ضروري لكي لا تتكرر تجارب الحروب؛ باختصار وبحسب الشعار الذي ترفعه احدى الجمعيات اللبنانية الناشطة في هذا المجال، كي: "تنذكر ت ما تنعاد".
أما الوسائل الضرورية التي تسمح بترجمة هذه المبادئ في الواقع، والتي نطالب الحكومة باعتمادها، فهي أولا على المستوى الرمزي والتربوي:
 
·        اعلان الثالث عشر من نيسان من كل سنة يوما لذاكرة الحروب في لبنان ولضحاياها وشهدائها؛
·        اقامة نصب وطني تذكاري جامع لضحايا وشهداء الحروب في لبنان (واقترح أن يكون هذا النصب في وسط غابة تزرع او تعتمد فيها شجرة عن كل ضحية)؛
·        اقامة متحف للحروب في لبنان يكون عنوانه "تنذكر ت ما تنعاد"، تشرف عليه لجنة "حكماء" مستقلة تساهم في ادارة حوار وطني جامع يتعلق بذاكرة هذه الحروب وكيفية حفظ ذاكرتها وكتابة تاريخها وعرضها على المواطنين عامة والطلاب خاصة، من أجل بناء مصالحة حقيقية تتجاوز الجراح والمآسي.
 
وثانيا على المستوى الإنساني والقانوني: باتت الحاجة ملحة للتحرك جديا من اجل حل قضية المفقودين والمختفين قسريا أينما كانوا حلا جذريا، بما فيهم بشكل خاص المفقودين المختفين قسريا في سوريا.
 
لقد انتهت الحروب العسكرية بالنسبة للسواد الأعظم من اللبنانيين، مخلفة ضحايا كثيرة، لكنها لم تنته بالنسبة لعدد كبير من العائلات التي فقدت ابناء لها في فترات مختلفة منذ عام ١٩٧٥، والأصح القول انهم "اختفوا قسريا" (بحسب التعبير المعتمد في القانون الدولي) أي انه جرى القبض عليهم واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم بمخالفة القانون من قبل قوى نظامية أو غير نظامية مختلفة التي رفضت الكشف عن مصيرهم او عن اماكن وجودهم او رفضت الإعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون.
 
ان لهذه المسألة وجه مأساوي انساني بامتياز، يتجاوز كل الإعتبارات السياسية والفئوية، لأن لأهالي هؤلاء المفقودين المختفين قسريا الحق بزيارتهم أينما كانوا والمطالبة باطلاق سراحهم اذا كانوا أحياء، أو الحق باستلام جثامينهم أو رفاتهم اذا توفوا لتجري دفنتها بحسب الواجب واللائق، وفي مطلق الأحوال، لهم الحق في معرفة الحقيقة عن ظروف اختفائهم واسبابها ليبنى على الشيئ مقتضاه.
 
كما ان لهذه المأساة الانسانية أيضاً وجه قانوني يرتكز الى مبادئ دولة القانون الداخلي والدولي، بحيث لا يمكن حجز حرية اي انسان خارج اطار القانون، اي كان الجرم المدعى به، ووفقاجراءات قانونية وعلنية متفقة مع أصول المحاكمات ومعايير حقوق الانسان ومعاهدات جنيف بالنسبة لحالات النزاعات المسلحة. وقد اعتبر "الاعلان لحماية كل الاشخاص من الإختفاء القسري" الصادر عن الجميعة العمومية للامم المتحدة عام ١٩٩٢، أن الإختفاء القسري يشكل جريمة متمادية ومستمرة في حق الضحية واهله ومجتمعه، ونصّ صراحة على ان التحقيق يجب ان يستمر حتى معرفة مصير الشخص الضحية.
 
إن المطالبة بمعرفة مصير ضحايا الإختفاء القسري في لبنان والعمل على عودتهم احياء الى ديارهم أو عودة رفاتهم هو أمر طبيعي وبديهي جداً ولا يحتاج الى توقيت خاص وقد كان موضوع تحركات مطلبية وقانونية قديمة كنت شخصيا مشارك دائم فيها. كما أن هذه المطالبة يجب ان تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية الضيقة. لقد حاول البعض، عن جهل او عن سوء نية، تقسيم المشكلة بشكل سياسي او فئوي او طائفي؛ لكن هذه المحاولات ليست إلا تعمية للحقيقة التي هي أن الآلاف من مختلف الطوائف والمناطق والتيارات السياسية وقعوا ضحية الإختفاء القسري. وبالتالي، فان المنطق القانوني والانساني يقضي بأن يكون جميع ضحايا جريمة "الإختفاء القسري" موضع الاهتمام البالغ من قبل الحكومة والقضاء المختص حتى حل هذه القضية في اطار المصالحة الوطنية، اياً كان تاريخ او مكان الإختفاء، أفي اسرائيل او في ليبيا أو في سوريا او في لبنان.
 
 
لكن في واقع الحال، وباستثناء حالات المعتقلين والمفقودين المختفين قسريا في اسرائيل، يمكن الملاحظة ان قضية باقي المفقودينالمختفين قسريا مهمشة ولا يتم التطرق اليها الا بحذر شديد لا بل بخشية من فتح هذا الملف،والحالة الأسوأ تبقى تلك المتعلقة بحالات الإختفاء القسري في سوريا حيث يتضح جليا من كيفية تعامل السلطات السياسية والقضائية اللبنانية بها، أنها تخشى اثارتها أو حتى الإعتراف بوجودها. لكن وقائع مستجدة وتحركات مختلفة باتت تفرض على الجميع العمل بجدية لحل هذه المشكلة، ومن هذه الوقائع والمستجدات:
 
عودة معتقلين ورفاة مفقودين مختفين قسريا من اسرائيل: لقد شارك الشعب اللبناني بأسره مؤخرا الفرحة بمناسبة تحرير الأسرى والمعتقلين من سجون العدو الإسرائيلي، كما شعر بالإرتياح الشديد لعودة رفاة من قضى منهم ومن كان مختفيا قسريا في اسرائيل. وكنت من الذين دعوا السلطات اللبنانية وجميع المسؤولين الى التمثل بهذا الإنجاز الكبير لإكمال تحرير الأسير سمير القنطار وسائر رفاقه من اسرائيل، واعلان الحقيقة الكاملة بشأن جميع من بقى قيد الإعتقال أو الإختفاء القسري، أيا كان سبب او مكان أو زمان هذا الإختفاء، ان في ليبيا أو سوريا أو في لبنان، وذلك تمهيدا لحل قضيتهم.
 
الإهتمام السياسي والشعبي المتزايد في قضية اخفاء سماحة الإمام موسى الصدر ورفيقيه: التي تشير جميع القرائن والأدلة الى ان عملية اختفاءهم القسري حصلت في ليبيا.
 
اكتشاف مقابر جماعية ونبشها في مناطق مختلفة من لبنان: وقد دلت الوقائع الى أن عدد من الرفاة المكتشفة تعود لمحاربين قد يكون عدد منهم من المفقودين المختفين قسريا. ويفترض أن يكون هناك عدد كبير من تلك المقابر الجماعية منتشرة على كافة الأراضي اللبنانية، اماكنها معروفة أو يمكن معرفتها. فهل للحكومة أية سياسة وآلية متكاملتين تؤديا الى تحديد أماكن المقابر الجماعية ونبشها؟ والتعامل مع ما يترتب على مثل هذه الإكتشافات من واجب التحقق من ظروف الوفاة وهوية الرفاة وتسليمها الى ذويها؟
 
صدور عدد من التقارير والتوصيات عن مجموعة العمل المتخصصة بالإختفاء القسري والإعتقال الإعتباطي لدى منظمة الأمم المتحدة: وقد اكدت هذه التقارير مثلا، بعد الإستماع الى ممثلي السلطات الرسمية المعنية وهيئات مختلفة، ثبوت حالات من الإختفاء القسري في اسرائيل لم تعالج بعد، وحالات من الإعتقال في سوريا حصلت بمخالفة القانون (وهي: طانيوس الهبر، نجيب جرماني وجورج شلاويط).
 
تبقى قضية المفقودين المختفين قسريا في سوريا: التي تساهم في تحريكها واثارتها هيئات وجمعيات مختلفة لبنانية ودولية، تمثل أهالي المقودين وهيئات حقوق الإنسان ونقابة المحامين وهيئات سياسية ومدنية مختلفة. وقد وقّع مؤخرا عشرة آلاف طالب لبناني على عريضة خاصة بموضوع المفقودين اللبنانيين في سوريا. لكن الموقف الرسمي الحكومي والقضائي اللبناني كان وما يزال دائما التجاهل أو الهرب خشية من معالجة هذا الملف. وقد تجلى هذا الموقف السلبي المستهجن عبر وقائع ومواقف مختلفة، كان آخرها منع رئيس جمعية "سوليد" منفردا من تسليم نسخة عن العريضة الطلابية المذكورة الى ممثل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في بيروت بعد الإعتداء بالضرب على أهالي المفقودين المعتصمين، والتأخر غير المبرر حتى اليوم في اصدار التقرير عن المفقودين من قبل الهيئة الخاصة بتلقي الشكاوى، واصرار أكثر من جهة حكومية وقضائية لبنانية على التأكيد أنه لم يبقى في سوريا أي لبناني متخفيا قسريا. انما هذه المواقف السلبية تضحضها الوقائع التالية: لقد تمكن عدد من أهالي المفقودين المختفين قسريا من اثبات وجود ابناءهم في السجون السورية خلال الجلسات التي عقدتها هيئة تلقي الشكاوى برئاسة الوزير فؤاد السعد؛ كما أن التجارب السابقة دلت انه بعد تأكيدات كانت تصدر عن مراجع رسمية لبنانية حكومية وقضائية مختلفة تؤكد عدم وجود أي كان في السجون السورية، كانت السلطات السورية، وبعد برهة من الزمن، تفرج عن مجموعة من المعتقلين والمختفين قسريا لديها (خاصة في ٦/٣/١٩٩٨ وفي ١٢/١٢/٢٠٠٠). ان حل مأساة المفقودين المختفين قسريا في سوريا احد المداخل الضرورية لتصحيح العلاقات اللبنانية السورية، وبات تحقيق ذلك يتطلب خطوات جريئة من جميع الأطراف على اساس جلاء الحقيقة والبناء عليها لإرساء المصالحة الحقيقية الدائمة بين الشعبين اللبناني والسوري.
 
ماذا فعلت الحكومة اللبنانية إزاء هذه المشكلة الانسانية والقانونية الكبيرة وهي المسؤولة عن مصير مواطنيها؟
 
خاضت الحكومة تجربة اولى عبر لجنة امنية برئاسة العميد ابو اسماعيل، انتهت عام ٢٠٠٠ الى نتائج غير كافية ولا مرضية، بحيث اوصت بإعلان وفاة جميع الذين استلمت استمارات بشأنهم ومضى على فقداتهم مدة اربع سنوات وما فوق. فكان تقرير هذه اللجنة موضع رفض او انتقاد من قبل لجان الاهل والهيئات غير الحكومية والمنظمات الدولية، وثبت عدم صحة نتائجه بعد عودة أحد المختفين قسرياً من الموصى بإعلان وفاته من أسر في سوريا فاقت مدته العشر سنوات.
 
بعدها، قامت الحكومة في الخامس من كانون الثاني ٢٠٠١ بتشكيل هيئة خاصة برئاسة الوزير فؤاد السعد. وبالرغم من عدد من المآخذ المتعلقة بتكوين هذه الهيئة ومهمتها المحصورة بتلقي الشكاوى التي يثبت مقدموها أن ذويهم ما يزالوا على قيد الحياة، فقد تعاون ذوو أهالي المفقودين المختفين قسريا مع هذه الهيئة بكامل الإيجابية والجدية. وقاموا بتقديم كل ما لديهم من معلومات ومستندات وأدلة تساهم في تسهيل عملها، بالإضافة الى إحضار شهود عيان أدلوا بإفاداتهم أمامها، فثبت للجنة وجود عدد كبر من اللبنانيين قيد الإختفاء القسري، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة بأعداد أكبر من تلك المعلنة، إن في اسرائيل أو في سوريا أو في لبنان.
 
أما الآن وبعد ان انقضت المهلة المحددة للهيئة الخاصة لتقديم تقريرها منذ ٩/٦/٢٠٠١ دون ان تضع هذا التقرير الا في صيغة المسودة، وبعد ان قام مجلس الوزراء بتعيين الوزير ميشال موسى لترؤس هذه الهيئة، نطالب أن تنجز عملها وترفع تقريرها الى مجلس الوزراء في اقرب وقت ممكن. ونسارع الى التأكيد انه بالرغم من اهميته، لا يشكل هذا التقرير الا حلقة واحدة من سلسلة الأعمال المطلوبة؛ وبالتالي فان مسؤولية الحكومة والقضاء تبقى كاملة في حل قضية المفقودينالمختفين قسريا، ان انجز هذا التقرير او لم ينجز.
 
من جميع ما تقدم، يبدو جليا ان الحكومة لم تبدي أية ارادة سياسية لمعالجة مأساة المفقودين المختفين قسريا. ومن دون مثل هذه الإرادة السياسية الجدية، عبثا نسعى الى ايجاد آليات ووسئل لحل مشكلة المفقودين. فلا بد بالتالي ان تقوم الحكومة والنيابات العامة المختصة عبر وزارة العدل، بإيلاء موضوع المفقودين المختفين قسريا (ايا كان مكان هذا الإختفاء ان في اسرائيل او في ليبيا أو سوريا أو لبنان) الاهتمام البالغ الذي يستحقه وفق أحكام قرار الأمم المتحدة الخاص بالإختفاء القسري، حتى كشف ملابسات إختفائهم القسري والعمل الجدي على إعادتهم الى ديارهم لمن بقي منهم حيا، والا اعادة رفاة من توفي منهم، وتوفير كافة الإمكانيات اللازمة من ديبلوماسية وسياسية وادارية ومادية للوصول الى النتيجة المرجوة في أسرع وقت ممكن.
 
وكذلك لا بد للحكومة من اعتماد آلية يمكن من خلالها متابعة مثل هذه المسألة الشائكة التي تتداخل فيها الإعتبارات الإنسانية والقانونية والسياسية والتاريخية والنفسية، والتي تفترض متابعة دؤوبة ومستمرة. لذلك، نقترح أن تتولى ادارة هذه الآلية لجنة وطنية تدعى "لجنة الحقيقة والمصالحة" تمنح صلاحيات واسعة للإسقصاء والتحقيق، على أن تتألف وفق المعايير المعتبرة دوليا في مثل هذه الهيئات لتتمتع بالفعالية والإستقلالية والمصداقية والحياد.
 
في الختام، وبالنظر الى الأهمية البالغة التي تتسم بهاضرورة حل قضية المفقودين المختفين قسريا بشكل جدي وتنقية ذاكرة الحروب، وبالنظر لغياب أية معالجة جدية للحكومة لها حتى اليوم وعدم تجاوبها مع مناشدات هيئات المجتمع بمختلف تلاوينها، فإننا نتقدم من الحكومة بهذا السؤال لنطالبها بتوضيح موقفها من مجمل المواضيع المطروحة فيه وتحديد السياسات التي تعتمدها من اجل حل هذه القضية الوطنية ليبنى على الشيئ مقتضاه، راجين الإجابة عنه في اقرب وقت ممكن وفي مطلق الأحوال ضمن المهلة القانونية.
 
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures