Meet Ghassan Moukheiber
Biographical Interviews


Click to share article:

العلماني المؤمن والمثالي الهادف الى إصلاح الواقع غسان مخيبر: "أملي بأن يصبح القانون بوضعٍ أفضل وأن يتحوّل بلدنا الى دولة حقيقية"
يطبعُ الواقعُ بَصَماتِه في مسيرة الإنسان، وتؤثّر فيه الأفكار والأحلام، فتمتزج المثالية بالواقعية لتصنع أفرادًا قادرين على إدارة حياتهم الشخصية وإدارة المجتمع وتوجيهه نحو الأفضل. ويُتَرجَمُ هذا "الأفضل" في علم السياسة، على أنّه دولة قادرة وقويّة ومواطنين يُفاخرون بمواطنيّةٍ توجّه الولاء الأوّل للوطن، لا لميليشيات وكنتونات هنا وهناك. شعاراتٌ وعناوين تفتح الأبواب لتأويلات وتحليلات كثيرة، يوافقها البعض ويخالفها آخرون، لكن الثابت الوحيد، هو شَرَفُ محاولة البناء، وتغيير ما مرّت عليه التجربة وأثبتت موته. وفي تلاطم أمواج الفساد المنتشر في لبنان، تسبحُ سفنٌ قليلة لتعاند الفساد بإصلاحٍ وتغييرٍ حقيقي. ومن هذا العِناد المرتكز على مبادىء الخدمة العامة، خَرَجَ النائب غسّان مخيبر متسلّحًا بما ورثه من حبٍّ للناس وبما جَمَعَهُ من علمٍ وثقافةٍ خاصّة عمادها حقوق الإنسان وبناء الدولة.

 

وُلِدَ النائب غسان مخيبر في بلدة بيت مري بتاريخ ٨ كانون الأول ١٩٥٨. والده إميل مخيبر، الرجل الذي عرفه أهل منطقته برجل الخدمة العامّة وحب الناس، أمّا عمّه، فهو النائب والوزير السابق المرحوم ألبير مخيبر، والذي كان له الأثر الكبير في حياة غسان السياسية.

ومن ذلك المنزل الذي كانت "كل حياته وأيامه العادية مكرّسة للخدمة العامة" وأبوابه مشرّعة أمام السياسة، غرّد مخيبر خارج السرب السياسي، حيث "رفض منذ صغره أن يكون رجل سياسة، بل كان يحلم برجل القانون". وللأمر أسبابٌ كثيرة ومنها أنّ "السياسة كانت تساهم بإفقار العائلة ماديًا، وكان الأهل يضطرّون لبيع عقارات لتأمين سبل العيش. أما المنزل، فلم يعرف الخصوصية أبدًا، وبابه المفتوح دائمًا، حَرَم العائلة الإفادة من وقتٍ خاص بها. بالإضافة الى رفض الإنغماس في عمل الميليشيات والإنقسام وما الى هنالك".

 

الكشّاف وحقوق الإنسان وبناء الدولة

      إنخرط مخيبر باكرًا في صفوف الكشّاف إنطلاقًا من القيم والمثاليات التي آمن بها، فكان "عضوًا في الحركة الكشفية واستلم مهامًا قيادية في جمعية كشافة لبنان، والتزم بها لفترة طويلة، ممّا أعطاه الإلتزام بقيم الحركة الكشفية، كالخدمة وحب تحمّل المسؤوليات وحب الطبيعة". والى جانب الكشّاف عاش حلم القانون، الذي سبقه طموح الوالد بأن يكون هو نفسه محاميًا، فحقّق الإبن غسّان طموح والده، فحاز على إجازة في الحقوق من جامعة القدّيس يوسف في بيروت  وشهادة الماجيستير في الحقوق من كلية الحقوق في جامعة هارفارد (ماساتشوستس - الولايات المتحدة الأميركية).

     وعن تجاربه ودراسته وأثرها على الذات يقول أنّ " المثالية و دراسة القانون والتجربة الكشفية تركت في نفسي شخصيّة ومسارًا متميّزًا، فهذه التجارب تترك، كتجارب أخرى مع أشخاصٍ آخرين، آثارًا تجعل من كل إنسان كيانًا فريدًا. وعندما تدرس الحقوق في مثل هذه الظروف (الحرب الأهلية)، تصبح شخصًا يحلم بالمثاليات، فمثلاً كنا ندرس القانون الدستوري في دولة مفكّكة، وحريات عامة في ظل دولة كانت تطيح بكل الحرّيات، وجرائم الحرب "على مدّ العين والنظر"، وكنا ندرس القِيَم والعقود في وقتٍ لم يكن أحد يحترم أحدًا، هذا الواقع عزّز حبّي للقانون وإلتزامي به".

بين القانون والمخالفات

يتابع مخيبر، أنّ دراسة القانون تأثّرَت بـ "الإلتزام بحقوق الإنسان، التي جاءت من الحاجة والإستفزاز من قِبَل حالات إعتقالات مخالِفة للقانون، وحالات التعذيب بالكهرباء و"البلانكو"، والخطف، والتوقيف من قِبَل مخابرات الجيش والضابطة العدلية والجيش السوري... ولم تأتِ من قراءة كتابٍ ما عن الإلتزام بحقوق الإنسان لمجرّد الإلتزام فقط". وفي السياق نفسه، أسّس مخيبر مع عدد من المحامين "لجنة الطوارىء للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات"، ويذكر أنّه "في أحد الأيام، طلبت منّا والدة أحد الأشخاص أن ندافع عن إبنها الذي تعرّض للتوقيف، فإنطلقنا من هذه القضية، الى جانب قضايا توقيف أخرى، وتوجّهنا الى وزارة الدفاع، وكنا خمسة محامين من مختلف الطوائف، وأصرّينا على اللقاء مع الموقوفين، وكانت مخابرات الجيش قد إرتكبت مخالفة قانونية بتوقيف أولئك الأشخاص، فطالبنا بإطلاق سراح الموقوفين. وقد شكّل تحركنا إحراجًا لقيادة الجيش ومخابرات الجيش بشكل خاص. إلاّ أنّ المخابرات لم تُفرج عن المعتقلين، فعقدنا مؤتمرًا صحفيًا كشفنا فيه عن الإنتهاكات القانونية الجسيمة التي تقوم بها تلك المخابرات". كما إهتمّ مخيبر بالدفاع عن كافة الحريات ومنها الحريات الإعلامية "من خلال تحضير "عاميّة الحريات" في منطقة أنطلياس في العام ١٩٩٦ إعتراضًا على مشروع الإعلام المرئي والمسموع في ذلك الوقت". أمّا وقوفه ضد الفساد، فتُرجِمَ عبر تأسيسه لجمعية "لا فساد – الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية"، بالإضافة الى مساهمته بتأسيس عشرات الجمعيات التي تعمل ضد الفساد في لبنان، ورئاسته "لمنظمة برلمانيون عرب ضد الفساد" وعضويته في "الشبكة البرلمانية العالمية لمكافحة الفساد".

     لم تستطع دراسة الحقوق الحفاظ على المحامي بعيدًا عن "عدوى السياسة"، إذ سرعان ما انتُخِبَ نائبًا عن المتن بعد وفاة النائب ألبير مخيبر، لينتقل المحامي الى الوجه الآخر من المرآة فيكون مشرّعًا يضع القانون بدلاً من الإكتفاء بتطبيقه.

على أثر الدور التشريعي، بحسب مخيبر، "تزيد المسؤوليات الملقاة على عاتقي بشكل أكبر، فأنا أبذل الكثير من الوقت في هذا المجال، وأتلذّذ بذلك، لأنّ هذا هو مجالي ومَيلي وإختصاصي، وعملي في المجلس النيابي هو نتيجة أملي بأن يصبح قانوننا بوضعٍ أفضل وأن يتحوّل بلدنا الى دولة حقيقية، لأنّه وبشكله الحالي لا يُعتبر دولةً، فنحن ثابتون كبلد وكوطن له عَلَم وحدود وشعب... لكن الدولة فاشلة وغائبة، وهي حاليًا "كمن "يعبّي الميّ بالسلّة"، بحيث أننا نمتلك شبه الدولة، أو الوعاء الحاضن، لكنّ هذا الوعاء لا يسع شيئًا".

من هنا كان "طموحي وإلتزامي الذي حملته عبر تخصّصي القانوني الذي فتح أمامي آفاقًا جديدة لم تكن متوفّرة، ومنها النظر الى البُعد السسيولوجي للقانون، والبُعد المتعلّق بالخلافات وحل الخلافات، والتحكيم والوساطة والمفاوضات... وهذا الأمر له أيضًا أثر إنساني الى جانب الأثر القانوني، ممّا جعلني شخصًا يحب تدوير الزوايا وتقريب الناس من بعضها وإيجاد الحلول عوضًا عن المشاكل".

في الجانب الثقافي والإجتماعي

أعطت الدراسة في مدرسة "الليسيه - البعثة العلمانية الفرنسية " في بيروت، ومدرسة "الفرير - مون لا سال" في عين سعادة، دفعًا ليس ببسيطٍ بإتجاه تبنّي أفكار الوقوف الى جانب الثقافة والبيئة والموسيقى والتراث والقيم الإنسانية، ولم تكن مساعدة بعض الأساتذة وأسلوبهم في التدريس، سوى زخمًا يحثّ على المضيّ بإتجاه الحلم من أجل تحقيق المستحيل، "فالمثالية ليست بعيدة عن الواقعية، بل هي سبيل للوصول الى الحد الأقصى من المطلب. والأهم هو أن لا نفقد الحلم لأننا بدونه لا نستطيع فعل شيء، لذا، فلنكن واقعيين ونطالب بالمستحيل".

إنعكاسًا لذلك، غدا مخيبر "مدافعًا شرسًا" عن البيئة وعن إلغاء عقوبة الإعدام وعن اللامركزية الإدارية، التي يعتبرها "إستكمال لبنيان الدولة، وذلك عبر إعطاء الصلاحيات والإمكانيات الإدارية والمالية الكاملة للبلديات، وعبر تعديل نظام الرقابة عليها. بالإضافة الى تنظيم الأقضية كمناطق لا مركزية".

والأبرز، هو إهتمامه بالموسيقى، فهو مؤسس ورئيس "الجمعية اللبنانية لتطوير الموسيقى الأوركسترالية"، وهي جمعية تعمل بالتعاون مع الكونسرفاتوار الوطني للموسيقى على نشر التعليم الموسيقي المجاني للنشأ اللبناني وتنظيمهم في أوركسترات محلية في مختلف المناطق اللبنانية. ويرى بأنّ مشروع هذه الجمعية "لا يجب أن يُنظر إليه على أنه مشروع لإتاحة الفرصة أمام مجموعة من الشبّان والشابات لتمضية أوقاتهم فقط، بل على أنّه يسعى للوصول الى الطبقات الأكثر فقرًا وعوزًا، لأنّ الجمعية تعطي الدروس الموسيقية والآلات مجّانًا. وهذا البرنامج هو برنامج تربوي وإجتماعي، لأننا نسعى أيضًا لتعليم الموسيقى إلزاميًا في المدارس الرسمية، فللموسيقى وظائف تؤثر على شخصية الإنسان، فتعلّم الدّقّة والتعاون وإحترام الإختلاف عبر تعلّم العديد من الأنواع الموسيقية، وأن يكون هناك قائد يدير المجموعة من دون أن يفقد كل فرد كيانه الخاص".

تجدر الإشارة الى أنّ النائب غسان مخيبر "يخاف من تكرار اللبنانيين للأخطاء التي وقعوا بها في السابق، والأسوأ هو وقوعهم في النزاعات المسلّحة. وأخاف من عدم قدرة اللبنانيين على بناء الدولة، وبالتالي على عدم قدرتهم على إدارة الإختلاف بطريقة سلمية. أمّا الأمل الكبير فهو بنتيجة الفعل، وإن طال وقت ظهور هذه النتيجة، فعلى الإنسان أن لا يصاب بالإحباط".




Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures