Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

سيادة القانون والديمقراطية في النظام السياسي

 

 
"ما الأنسب: أن يحكمنا أفضل الناس أو أن تحكمنا أفضل القوانين؟"
أرسطو - في السياسة
 
يكثر الكلام في الآونة الأخيرة عن "دولة القانون"، بدءا من إعادة تأكيدها في خطاب فخامة رئيس الجمهورية بعد أدائه قسم اليمين الدستورية، ومرورا "بالملفات" التي باتت مفتوحة في أكثر من موضوع، وتتناقل أخبارها وسائل الإعلام بشغف، الى حد صار معه القضاء في مقدمة المسرح السياسي والإعلامي اللبناني، وصار الرأي العام يعرف أسماء القضاة بقدر ما يعرف أسماء الوزراء.
 
وعلى رغم اتساع استعمال عبارة "دولة القانون" والإستشهاد بمبادئها السامية من كل حدب أو صوب على الصعيدين الداخلي والدولي، بقى أن معناها الدقيق ومدى تطبيق مفاهيمها ما يزالان غير واضحين، خاصة في علاقة دولة القانون بالديمقراطية.
 
فغالبا ما تشير صكوك ومعاهدات واعلانات دولية عديدة الى مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان كوحدة متكاملة، بما يشبه وصف الله في اللاهوت المسيحي: ثلاثة أقانيم في جوهر واحد[١]. كما أن هناك نزعة ثابتة لدى العديد من الفقهاء لإعتبار مبدأ سيادة القانون جزء من آليات الديمقراطية ومن الشروط الأساسية لوجود نظام ديمقراطي. كما نجد نزعة أخرى تعتبر الديمقراطية جزء من آليات سيادة القانون، على اعتبار أنها من الحقوق والحريات الأساسية التي نصت عليها قواعد قانونية ملزمة، هي بشكل خاص المادة ٢١ من شرعة حقوق الإنسان والمادة ٢٥ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
 
ويعكس غموض مفهوم دولة القانون التسمية بالذات، فهي موضع تباين من لغة الى أخرى، وحتى ضن اللغة الواحدة: فان كانت العبارة في اللغة الإنكليزية The Rule Of Law  ثابتة الإستعمال منذ "الماغنا كارتا" التي فرضت على الملك شارل الأول عام ١٢١٥، يبقى أن استعمالها، لا بل ترجمتها الى لغات عديدة اخرى تثير جدلا:
 
- فهي بالألمانية   Sozialer Rechtsstaat  
- وتتنازعها بالفرنسية استعمال العبارات الآتية: Etat de Droit - Prééminence ou Primauté du droit - Principe de la Légalité
- وكذلك بالعربية حيث يكثر استعمال كلمة "دولة القانون"، ويضاف اليها في حالات عديدة عبارة "… والمؤسسات"؛ وتنازعها استعمال عبارة "سيادة القانون".
 
لكننا نفضل اعتماد العبارة الأخيرة، أي "مبدأ سيادة القانون"، التي نرى فيها تعبيرا أبلغ وأوضح عن ماهية المبدأ ومضمونه، كما سوف نرى ذلك لاحق، فضلا على أن الفقرة (ط) من مقدمة الدستور اللبناني اعتمدت هذه عبارة[٢].
 
ونحن في هذه المداخلة الموجزة، سوف نجيب عن الأسئلة الأساسية الآتية:
 
١ -     ماذا يعني مبدأ سيادة القانون؟
٢ -     ما هي مصادره، وآلياته؟
٣ -     ما هي الوظائف التي يؤديها في نظام ديمقراطي؟
٤ -     ما علاقة مبدأ سيادة القانون بالديمقراطية وآلياتها؟
٥ -     هل من تعارض بينهما؟
 
 


 

القسم الأول: مبدأ سيادة القانون
 
١ -     مصدر مبدأ سيادة القانون:
 
ان مصدر مبدأ سيادة القانون ليس بالضرورة اعلان[٣] أو نص أو تعريف وارد في الدساتير. فقليلة هي الدساتير التي تشير اليه من حيث المبادئ الأساسية الذي يرتكز عليه نظام الدولة، نذكر منها على سبيل المثال الدستورين الألماني والمصري. أما الدستور اللبناني، فقد أشار الى سيادة القانون بشكل شبه عرضي في الفقرة (ط) من مقدمته في معرض التأكيد على كونه ضمانة اضافية تكفل حق كل لبناني في الإقامة على أي جزء من الأراضي اللبنانية.
 
لكن يبقى أن سيادة القانون من المبادئ الأساسية التي لا تحتاج الى نص في الدستور لإرساء مبدأها أو لتعريفها. ومصدر هذا المبدأ ليس أي موقف سياسي ظرفي أو التزام رئاسي أو وزاري. فالمبدأ، في كل حال، مستقى من مبدأ تسلسل القواعد القانونية الذي بموجبه تتقدم في مجال التطبيق القواعد الأسمى على التي دونها، وعلى رأس هذا الهرم من القواعد أحكام الدستور[٤].
 
٢ -     تعريف مبدأ سيادة القانون:
 
يمكن تعريف مبدأ سيادة القانون كما يأتي: الدولة تخضع للقانون[٥].
 
وينتج عن هذا التعريف البسيط في ظاهر صياغته نتائج عديدة نستعرضها في ما يأتي عبر تحديد ماذا يعني هذا التعريف بعبارتي القانون والدولة:
 
 
 
القانون؟ أي قانون:
عملا بمبدأ تسلسل القواعد القانونية التي ذكرنا آنفا، فان القانون يتضمن من رأس الهرم: الدستور والمبادئ الدستورية العامة المنصوص عنها في مقدمته والتي تسمو على أحكامه، فالمبادئ العامة للقانون والمعاهدات الدولية المبرمة أصولا، فالقوانين العادية الصادرة عن السلطة التشريعية، فالمراسيم الإشتراعية، فالمراسيم العادية والقرارات الوزارية، وما يتبع من قرارات قد تتخذها السلطات الإدارية المختلفة، المركزية واللاحصرية واللامركزية. يضاف الى هذه القوانين مجموع القواعد التي تنتجها المحاكم عبر اجتهادات الأحكام الصادرة عنها، في المواضيع التي لا نص فيها أو التي يكون النص عليها غامض وقابل للتفسير.
 
لكنه لا تكفي الإشارة الى موقع القانون المادي في سلم القواعد القانونية للقول بتوافقة مع معايير مبدأ سيادة القانون، التي تتضمن معايير تقييمية أساسية بالنسبة لمضمون القانون وصفاته:
 
فالقوانين الوضعية النافذة ينبغي أن تتوافر فيها صفات معينة، في مقدمتها: أن تكون عامة ونافذة بالتساوي على كافة الأشخاص، وأن تكون ثابتة، وواضحة تتضمن معايير موضوعية تبعد الإستنساب عن تنفيذها من قبل أي من السلطة الإجرائية أو القضائية.
 
كما ينبغي أن تتوافق أحكام هذه القوانين مع الحقوق والحريات المنصوص عليها بشكل خاص في الدستور وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود المكملة والمتممة له. وأهمية هذه المعايير بالنسبة لسيادة القانون تفسر مدى ترابط هذين المفهومين في الصكوك والإعلانات الدولية.
 
فاذا خالفت القوانين هذه المعايير والصفات، خرجت هي بدورها من اطار مشروعية مبدأ سيادة القانون.
 
الدولة؟ أية دولة:
يتضمن مفهوم الدولة بطبيعة الحال، المواطن، الذي يعتبر التزامه احترام القانون من البديهيات من أجل تحقيق مبادئ العدالة والإستقرار.
 
كما يتضمن مفهوم الدولة السلطات الدستورية الثلاث التي تشكل مؤسسات الدولة المنبثقة عن الشعب - مصدر السلطات، وهي بالطبع التشريعية والإجرائية والقضائية. وسوف نستعرض في ما يأتي بعض الملاحظات الخاصة بمعرض كل منها.
 
السلطة التشريعية:
قد يبدو خضوع السلطة التشريعية لمبدأ سيادة القانون من البديهيات: أي أن يحترم المشرع أحكام الدستور والمبادئ العامة للقانون والمعاهدات الدولية المبرمة أصولا. لكنه غالبا ما يفتقد هذا الخضوع للآليات التي تفعله، وهي الرقابة القضائية على دستورية القوانين. وكان تبرير هذا الغياب لأسباب مبدئية دستورية تجاوزها الزمن والفقه الحديث[٦]، بحيث كان مبدأ المشروعية الشعبية المتأتية عن الإنتخابات العامة تقف عائقا أمام تدخل القضاء في مراقبة أعمال ممثلي الشعب، وان خالفوا الدستور، ولم تكن الرقابة المتاحة على دستورية القوانين الا سياسية. لكن هذا الواقع تبدل في دول عديدة، منها فرنسا ولبنان، بحيث أصبحت رقابة المجالس أو المحاكم الدستورية على القوانين في أساس استتباب مبدأ سيادة القانون.
 
السلطة الإجرائية:
وهي المسؤولة بشكل أساسي عن حسن تطبيق القوانين من جهة، ومسؤولة بدورها عن عدم مخالفة هذه القوانين أو اساءة استعمال السلطة.
 
السلطة القضائية:
وهي المسؤولة عبر المحاكم والقضاة الذين يؤلفونها، عن حسن تطبيق القانون بمعرض النزاعات التي تعرض عليها، على أن تحافظ في كل حين على مقتضيات العدالة، والنزاهة والمساواة والفعالية والإستقلال عن كل تأثير أو تدخل.
 
وهنا تبرز أهمية القضاء كآلية يتفعل من خلالها مبدأ سيادة القانون، ويتحول من حيز النظريات، الى حيز الواقع والتطبيق.
٣ -     آليات عمل مبدأ سيادة القانون:
 
طبعا، يمكن العمل بمبدأ سيادة لقانون من خلال النظام السياسي بآلياته الديمقراطية، بحيث تستعمل المعايير القانونية كمعايير موضوعية تحاسب السلطات الدستورية على أساسها وقياسا عليها. لكن هذه الآلية قد لا تؤدي الى أية فعالية، - مثلا: كان لا يشير أحد من السياسيين الى مخالفة القانون ضمن اللعبة السياسية، أو أن لا تشير اليه الا أقلية غير فاعلة ضمن هذا النظام السياسي.
 
وبالتالي، فان آلية تعزيز مبدا سيادة القانون لا تكون الا من خلال القضاء المستقل والفاعل، الذي وحده يمكنه أن يفرض احترام القواعد القانونية على كل من يخالفها، وأن يحمي حقوق وحريات المواطنين الأساسية، ويلزم الأفراد والجماعات والسلطات العامة على احترام القانون عند مخالفته. ويفترض أن تتمكن أوسع شريحة ممكنة من المواطنين اللجوء الى القضاء دون عوائق أساسية (مثلا: أن تكون متاحة قانونا، وغير مكلفة). ويمثل قيام هذا القضاء عنصر من عناصر فعالية دولة القانون، لا بل هو من العناصر المكونة لدولة القانون. ويمكن اعتبار أن قانون تنظيم القضاء بالنسبة لمبدأ سيادة القانون بأهمية ومصاف قانون الإنتخاب بالنسبة للديمقراطية.
 
وبخلاصة هذا القسم، يمكن تلخيص مبدأ سيادة القانون وآلياته، بالقول أنه نظام متكامل من القواعد القانونية المعززة بالأجهزة القضائية الفاعلة والمستقلة، التي تتيح تنظيم المجتمع وضبط اداء السلطة وتوفير الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية وتعزيزها.


 

القسم الثاني: سيادة القانون والديمقراطية
 
يمكن تعريف الديمقراطية على أنها نظام يجري بواسطته انتاج السلطة وإخضاعها لإرادة الشعب عبر انتخابات دورية حرة ونزيهة، وعبر مساءلة دائمة للسلطات الدستورية تجاه الشعب.
 
من مقارنة تعريف كل من سيادة القانون والديمقراطية، يتضح بأن كلتيهما أنظمة تضبط أعمال السلطة وتراقبها وتحاسبها. وتنفرد الديمقراطية في أنها نظام ينتج وينشئ السلطة، في حين يقتصر دور سيادة القانون على عملية الضبط. ومن المسلم به أن قيام مبدأ سيادة القانون في نظام سياسي من الشروط الداعمة والمكملة للنظام الديمقراطي. لكن، يبقى لكل من المبدأين خصوصيات، نستعرضها ضمن الأبعاد الثلاثة الآتية:
 
ما هي الوظائف الخاصة التي يؤديها مبدأ سيادة القانون بالتكامل مع النظام الديمقراطي؟
هل تذهب خصوصيات هذه الوظائف الى حد التعارض مع مبادئ وآليات الديمقراطية؟
ما هي حدود مبدأ سيادة القانون التي تقف عندها فعاليته ليبدأ نطاق عمل الديمقراطية الخاص؛
 
١        الوظائف الخاصة التي يؤديها مبدأ سيادة القانون بالتكامل مع النظام ديمقراطي:
 
يؤدي مبدأ سيادة القانون وظائف عديدة خاصة، يتكامل فيها مع وظائف وآليات النظام الديمقراطي، وتصب جميعها في خانة تصحيح مخاطر الإنحراف التي قد تؤدي اليها الديمقراطية، القائمة على حكم الأكثرية وارادة الشعب:
 
 
 
 
-        من ناحية أولى: يخضع مبدأ سيادة القانون السلطة لقواعد ملزمة، تبعدها قدر الإمكان عن استنساب الحكام، حتى وان حاز هؤلاء على المشروعية الشعبية بتمثيلهم أكثرية أصوات الناخبين. وبالتالي، يكون أساس الحكم ليس مشيئة حاكم أو مجموعة، بل الحكمة المتمثلة بالقانون والتي يؤتمن الحاكم على حسن تطبيقها[٧].
 
-        ومن ناحية ثانية: وكنتيجة عملية للوظيفة الأولى، يحمي مبدأ سيادة القانون بشكل خاص الأفراد والأقليات تجاه الجماعات وسلطات الدولة، خاصة في المواضيع التي تتعلق بالحقوق والحريات الأساسية، التي لا يسع السلطة التشريعية أو الإجرائية تعديلها أو المساس بها، الا ضمن حالات محددة حصرا.
 
-        ومن ناحية ثالثة: يصحح مبدأ سيادة القانون ويراقب ويحاسب الأخطاء التي قد ترتكبها السلطتان التشريعية والإجرائية، خاصة في حال غياب أو ضعف المراقبة والمساءلة عبر المؤسسات الديمقراطية (مجلس النواب)، وذلك عبر الملاحقات الجزائية والإدارية التي تجريها المحاكم على اختلاف أنواعها. وفي هذا المجال، تبقى خشية البعض طبعا مما درج على تسميته "حكومة القضاة"، أي من أن يتدخل القضاء في مواضيع سياسية، أو من اجراء الملاحقات الإنتقائية، أو من أن تستغل السلطة الإجرائية أو التشريعية القضاء للهروب من مسؤولية المساءلة والمحاسبة السياسية.
 
 
٢ -     في مدى تعارض مبادئ وآليات عمل سيادة القانون والديمقراطية:
 
المبدأ كما راينا، هو تكامل عمل مبدأ سيادة القانون مع الديمقراطية. لكن أطر عمل مبدأ سيادة القانون تبين تمايزا، اذا لم نقل شبه تعارض مع آليات الديمقراطية، بسبب غياب الشعب (وهو مصدر جميع السلطات) عن مبادئ سيادة القانون وآليات عملها. وبذلك يبدو بوضوح مدى اختلاف سيادة القانون عن الديمقراطية، ان بالنسبة للقواعد القانونية المطبقة، أو بالنسبة للقضاء الذي يتولى تفعيل مبدأ سيادة القانون.
 
أ -       بالنسبة للقواعد القانونية المطبقة:
 
لا تنطرح مسألة مشروعية القوانين بالنسبة للقواعد القانونية العادية الداخلية، لأنه يبقى أن الفرضية القانونية تجعل من القانون تعبيرا عن الإرادة الشعبية التي تمارس عبر عمل المجلس النيابي.
 
لكن مسألة مشروعية القوانين تنطرح بشكل خاص بالنسبة للمعاهدات الدولية، خاصة تلك التي تتضمن معايير الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، ومدى تقبلها ضمن النظام القانوني الداخلي. وقد يبدو أن مبدأ سيادة القانون، لهذه الجهة، غير ديمقراطي لأنه قائم على مبادئ قانونية مستقاة من القانون الطبيعي أو من القانون الديني أو القانون الدولي، وليس بفعل المناقشة الديمقراطية الشعبية الداخلية[٨]. وتبقى هذه المسألة قائمة، بالرغم من الفرضية القانونية، التي بموجبها، تدخل المعاهدات الدولية ضمن التشريع المحلي عبر ابرامها من قبل السلطة الإشتراعية، فتضفي عليها المشروعية شعبية.
 
 
ب -     بالنسبة للسلطة القضائية التي تتولى تطبيق مبدأ سيادة القانون:
 
هنا تنطرح أيضا مسألة عدم انبثاق السلطات القضائية من المشيئة الشعبية، وعدم خضوعها لرقابتها، ومدى توافق ذلك مع مبادئ الديمقراطية، بشكل يجعل من المحاكم آلية مراقبة خاصة خارجة عن الأطر الديمقراطية:
 
-        فتعيين القضاة على أسس العلم والجدارة يبقى غير ديمقراطي، كونهم غير منتخبين في العديد من الأنظمة القضائية. وبالتالي، فان العمل بمبدأ سيادة القانون يقرب نظام الحكم من "حكومة الحكماء" التي كان ينادي بها أفلاطون ردا على النظام الديمقراطي، بما يمكن اعتباره "تسللا" أو "تطعيما" للنظام الديمقراطي بنظام حكم الحكماء.
 
-        ان التعيين يفقد اختيار القضاة عنصر أساسي من عناصر الديمقراطية، الا وهي الرقابة أو التقييم الشعبي الذي تؤدي وظيفته الإنتخابات والمساءلة الدائمة. فمن يراقب القضاة في عملهم – من يحمينا ممن يحمينا Quis custodiet Custodiem? وما يتبع ذلك من خشية البعض من ما درج على تسميته "حكم القضاة"، خاصة اذا ما طبق فعلا مبدأ استقلال القضاء. لكن ان كانت هذه الخشية مبررة، يبقى أن الرقابة الوحيدة الممكنة لا تكون عبر اخضاع السلطة القضائية لوصاية السلطة الإجرائية كما هي الحال عليه في العديد من الأنظمة السياسية، بل عبر تفعيل الضوابط الخاصة بعمل القضاء ومبدأ سيادة القانون، نستعرضها في ما يلي بإيجاز:
 
١ -     الرقابة القانونية الذاتية التي تجريها المحاكم على بعضها البعض عبر تعدد درجات المحاكمة في النزاع الواحد، اي حق اللجوء الى محكمة أخرى على الأقل عن طريق الإستئناف.
 
٢ -     الرقابة الإدارية والمسلكية الذاتية التي تجريها أجهزة التفتيش والتأديب الذاتية، والأجهزة الإدارية المشرفة (مثل: مجلس القضاء الأعلى).
 
٣ -     حق الإدعاء على القضاة بالمسؤولية في حالة الخطأ الفادح (وهذه الرقابة معروفة في لبنان بحق مقاضاة الدولة بمسؤولية القضاء). على أن يكون هذا الحق متاحا فعلا وليس نظريا أو صعب المنال الى حد الإستحالة.
 
٤ -     الحد من الحقوق الإستنسابية الممنوحة للقضاء، ووضع ضوابط قانونية لها، خاصة في المواد الجزائية. ومن الأمثلة على ذلك مشروع القانون المقدم في لبنان، لجهة وضع معايير موضوعية على الصلاحية الإستنسابية التي يتمتع بها قضاء التحقيق، والتي تؤدي في الكثير من الأحيان الى الإستنساب والتعسف باستعمال حق التوقيف[٩].
 
٥ -     المساءلة والرقابة الشعبية، التي تحصل عبر العمل بمبدأ علانية المحاكمات، وتكريس حق ودور الإعلام في متابعة أعمال المحاكم، وحق الرأي العام في انتقاد أعمال المحاكم وأحكامها. وتطرح هذه المسألة الموضوع الشائك المتعلق بالحدود الجائز وضعها على هذه الرقابة، والتي تفرضها حاجة تحصين القضاء والمحاكم من الإنتقادات والتشكيك، في ما بات يعرف بجرائم "التعرض للقضاء".
 
٦ -     وتبقى أخيرا هناك حود موضوعة على عمل القضاء، بشكل حالات ومواضيح حظر أو حد القانون من تدخل القضاء فيها، سوف نستعرضها في ما ياتي في القسم الأخير.
 
 
٣ -     حدود عمل وفعالية مبدأ سيادة القانون:
 
بالرغم من الوظائف الهامة التي يؤديها مبدأ سيادة القانون، يبقى أن لفعاليته وأداءه حدود، هي من حدود صلاحيات القضاء بالذات. وحيث ما يقف عمل القضاء، يستمر عمل آليات الديمقراطية. ويمكن أيجاز هذه الحدود بما يأتي:
 
عدم جواز تدخل القضاء عفوا في الدعاوى والمنازعات الا تبعا لدعاوى وشكاوى يتقدم بها من تتوفر فيه شروط الصفة والمصلحة (باستثناء النيابات العامة في المواضيع الجزائية). كما أن مراجعة المجلس الدستوري للطعن بابطال القوانين، محصورة بعدد ضئيل نسبيا من أصحاب الصفة، مما يحد من فعالية الرقابة على دستورية القوانين.
 
n١٠خروج بعض الحالات عن رقابة المحاكم (مثلا: حالات أعمال السلطة Actes de Gouvernement  التي تخرج عن صلاحية الحاكم الإدارية، وغيرها من المواد التي تترك لتقدير الإدارة ) وهي بالتالي تبقى خارج اطار المراجعة القضائية وبالتالي خارج دائرة الرقابة القانونية.
 
 
 
n١١انحصار تدخل القضاء في نزاعات وملفات معينة، وتحظير وضع الأحكام في صيغة الأنظمة. نتيجة ذلك هو قلة فعالية المراجعات القضائية في حال المخالفات المتمادية. ومن الأمثلة على ذلك، مخالفة الضابطة العدلية والنيابات العامة لبعض أحكام أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بالتحقيق والتوقيف، ومخالفة وزارة الداخلية لعدد كبير من أحكام قانون الجمعيات. وتبقى معالجة هذه المخالفات المتمادية أكثر فعالية ضمن الأطر لسياسية الديمقراطية مما هي ضمن الأطر القضائية.
 
- ١٢المبدأ اللاتيني القائل: Summum Jus - Summa Injuria و يعني أن الإمعان في تطبيق القانون بحذافيره، بمثابة الإمعان بخرق مبدأ العدالة. وبكلام آخر، للقانون حدود كونه قاعدة يمكن وضعها، عن خطأ أو عن صواب، في زمن معين لتنظيم حالات اجتماعية وسياسية واقتصادية معينة، غالبا ما تكون في غاية لتعقيد. بحيث يعجز القانون وحده عن حل جميع هذه الحالات والمشاكل والمخالفات الناتجة عنها؛ ويكون التساهل في العديد من الدعاوى أمر واجب، خاصة حين لا يكون هناك من انتهاك لمبدأ أساسي من مبادئ القانون، أو لحرية أو حق أساسي.
 
وفي ختام الحديث عن موضوع سيادة القانون والديمقراطية، ما يزال فيلسوف السياسة أرسطو يخاطبنا، بعد أكثر من ألفي عام، بهذا السؤال:
"ما الأنسب: أن يحكمنا أفضل الناس أو أن تحكمنا أفضل القوانين؟"
 


[١] اعلان فيينا تاريخ ٢٥ حزيران ١٩٩٣ الذي اختتم به المؤتمر الدولي حول حقوق الإنسان، يقيم تلازما عضويا في العديد من بنوده ما بين سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، وغالبا ما يضاف اليها مفهوم التنمية؛ اتفاقية باريس من أجل اوروبا جديدة، التي ابرمت في اطار المؤتمر حول الأمن والتعاون الأوروبي، أكدت بأن "الديمقراطية مبنية على احترام الشخصية الإنسانية وسيادة القانون"؛ وفي اعلان هاراري الصادر عن رؤساء حكومات دول الكومونويلث التزم المجتمعون العمل تعزيزا ودفاعا عن "القيم السياسية الأساسية لدولهم، وفي مقدمتها "سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية"؛ وفي اعلان قمة جزر موريسيوس الصادر عام ١٩٩٣ عن مؤتمر رؤساء الدول التي تشترك كليا أو جزئيا في استعمال اللغة الفرنسية، أكد المجتمعون أن "تقوية دولة القانون وتعزيز الديمقراطية هما شروط لتحقيق التنمية المستدامة".
[٢] الفقرة (ط) من مقدمة الدستور: "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".
[٣] نذكر أن مبدأ سيادة القانون منصوص عليه في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي أصبحت مبادئه جزءا من مقدمة الدستور اللبناني.
[٤] المادة ٢ من قانون اصول المحاكمات المدنية اللبنانية: "على المحاكم أن تتقيد بمبدأ تسلسل القواعد. عند تعارض أحكام المعاهدات الدولية مع أحكام القانون العادي، تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية. […]"
[٥] يراجع بشكل خاص: "اعلان أثينا"، الصادر عن "لجنة الحقوقيين الدولية" الصادر في ١٨/٦/١٩٥٥.
[٦] يبقى هناك بعض الدول حيث لا رقابة قضائية السلطة التشريعية في عملية سن القوانين، يذكر منها بشكل خاص المملكة المتحدة.
[٧] هذه الوظيفة الأساسية لسيادة القانون مثلها بشكل خاص أريسطو منذ ما يزيد عن ألفي وأربعماية عام.
[٨] قارن في هذا المجال الشريعة الإلهية (مثلا: الإسلام) كمصدر الزامي للتشريع في بعض الدول. فتكون هذه القواعد بالتالي سامية على المبادئ الديمقراطية، ولا تستقي مشروعيتها من ارادة الشعب بل من "الإرادة" الإلهية. وتصبح هذه الشريعة بالتالي ضمن اطار مبدأ سيادة القانون، وليس ضمن اطار مبدأ الديمقراطية.
 
[٩] على سبيل المثال، ينحصر حق التوقيف الإحتياطي في القانون الفرنسي (وفي مشروع القانون اللبناني) في الحالات التي يكون فيها هذا التوقيف الاحتياطي السبيل الوحيد المتاح لتحقيق الغايات المنصوص عليها في القانون، وهي على سبيل المثال "الحفاظ على الأدلة والمعالم المادية للجريمة أو للحؤول دون فرار المدعى عليه أو ممارسته الضغط على الشهود أو على المجنى عليهم.

 




Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures