Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

لبنان الشباب

 

محاضرة ألقاها الاستاذ غسان مخيبر في جبيل
بتاريخ ٢٥/٤/١٩٩٤
 
الشباب والشابات:
 
الشباب يعني ايضا الشابات، والكلام عن المذكر يشمل حتما المؤنث: فبالرغم من التمييز الللغوي الظاهر، فنحن لا نفرق في الجوهر. ونقول مع الروائي الفرنسي Sacha Guitry:
Quand je parle des hommes, j'embrasse aussi les femmes.
 
 
حيرة الشباب:
 
الشباب اليوم حائر من امره: كان يسمع من سبقه في جيل سبقه يردد أغنيات مثل "نحن الشباب، لنا الغد ..." وهو الآن في اجواء مسرحيات زياد الرحباني يسأل "بالنسبة لبكرا شو..." ويغني "فوت نام وصير حلام انو بلدنا صارت بلد ..."
 
من هم الشباب ؟ وما هي آمالهم وتطلعاتهم ؟
 
مشاكل وتساؤلات الشباب:
 
عمر الشباب - تلك الحقبة من العمر التي يطرح الشباب فيها على نفسه تساؤلات مختلفة:
 
بالنسبة لحياة الشباب الخاصة: اختيار دراسته ومهنته وكيفية تأمين لقمة عيشه، واعالة ذويه، وحل مشاكله العاطفية.
 
بالنسبة لحياة الشباب بالنسبة للشأن العام: ما هو دوري في المجتمع وفي الوطن؟ وهل للشباب دور بالنسبة للعمل السياسي؟ (أو كما يحلو للبعض تسمية السياسة: الشأن العام).
 
 
الشباب - حالة ذهن لا حالة عمر:
 
                   La jeunesse, non comme état d'âge mais comme état d'âme.
 
فلا فرق هنا بين شاب او كهل الا بالروح التي تسكنه والاندفاع والتفاؤل اللذين يحركان عمله.
 
وقد قال الجنرال الاميركي "ماك آرثر" سنة ١٩٤٥ في ذلك الشباب المتحرر من العمر، أجمل ما كتب.
مقومات الشباب                                       مقومات الشيوخ
 
          الثقة - الأيمان                                         الشك - الاحباط
          حب اللعب - حشرية المعرفة                        الجدية - الاكتفاء بالمعرفة المكتسبة
          الشجاعة - المغامرة                                   حب الراحة - المخاوف
          الالتزام بالمبادئ                                                هجرة المبادئ - البراغماتية
 
والسمة الطاغية هي اليأس والاحباط: أي الاعتكاف عن الاهتمام بالشأن العام أو بالسياسة.
 
الاحباط والاستقالة:
 
من ردات فعل الشباب:
"مادية: "شو منستفيد" "شو جايينا" ؛
هامشية: "بعود عن الشر وغنيلو"،
خجولة:"شو رح نقدر نعمل او نغير؟"، "عوجا وبتضلها عوجاء"، "بطيخ يكسر بعضه"، الخ ....
 
في هذا الكلام دليل على اعتكاف وكأن في نفس الشباب قناعة بأن اي قول او اي عمل لن يجد نفعا ولن يؤدي الى اية نتيجة. فلما هذا الاحباط؟
 
أسباب الاحباط:
 
خلال ايام الحروب اللبنانية، كانت حالة النزاعات المسلحة هي التي تحد من اماكنية عمل الشباب السلمي، في حين استقطبت الحروب وميليشياتها عملهم وطاقاتهم ودمهم. فشباب اليوم هم جيل الحرب، ما فطنوا الا القتل، والدمار الاعمى، والحروب المتكررة المتعددة الوجوه، والتدخلات السياسية والعسكرية الخارجية العديدة في الشأن اللبناني على كافة الاصعدة، والمؤسسات المهترئة وهيمنة العمل العسكري والميليشيات على كل شيء حتى اختزل ذلك العمل العسكري الشأن العام: فكان من اختار عدم الاشتراك بالاعمال العسكرية، يلجأ الى العمل من خلال جمعيات انسانية او يلجأ الى الهجرة.
 
اما بعد انتهاء الحرب، فالمشكلة الآن تكمن في اختلال الحياة السياسية وتعطيل الديموقراطية الحقيقية التي تقتصر الآن على بعض مظاهرها الخارجية، في حين تفتقر في الجوهر الى حسن احترام لمبادئها، في ظل تغييب ارادة الشعب / مصدر السلطات، والذي تجاهلته الحكومة بشكل مخجل خلال ما سمي "بانتخابات ١٩٩٢"، ونهرته في مخالفات عديدة ومتكررة للحريات الاساسية: من حرية الصحافة، وحرية الاجتماع والتظاهر، وحرية الجمعيات، ومخالفة اصول التوقيف والتحقيق، حتى بات المواطنون، وبخاصة الشباب منهم، ينظرون الى الحكومة وكأن بعضا من ممارسات الميليشات قد انتقل اليها.
 
لكن النظام اللبناني يتميز من ناحية اخرى بتلك الازدواجية؛ فيبقى هناك فيه فسحة من الامل، بسبب وجود بعض من المظاهر الديموقراطية، ونصوص قانونية تصون الحريات الاساسية بشكل مقبول، وسلطة قضائية تعلق عليها الآمال الكبيرة، وهي جميعها على هشاشتها قابلة للتطوير والتوسيع، لتطابق الممارسة مع النص أو الحلم المرتجى، ولتزيد فسحة الديموقراطية على حساب الممارسات اللاديموقراطية التسلطية.
 
هذه فسحة الامل بالنسبة لعمل اللبنانيين ويكمن هذا الامل في التوصل من خلال عمل سلمي ودؤوب الى توسيع فسحة الممارسة الديموقراطية والحد من الانزلاق نحو الاستبداد وخسارة ما تبقى من ديمقراطية وحريات واطر لدولة القانون.
 
 
شروط نجاح العمل "في الشأن العام" من اجل مجتمع أفضل
 
ايا يكن مدى أو سقف العمل السياسي في لبنان الآن، وايا تكن نتيجة تأثير التدخلات الخارجية على شؤونه الداخلية، يبقى على الشباب اللبناني مسؤولية كبيرة في ترتيب شؤونه الوطنية، عبر الاهتمام والعمل في كل ما يتصل بالشأن العام. ولا يقتصر هذا العمل على ممارسة حق الترشيح والانتخاب للبلديات وللمجلس النيابي؛ فهذا العمل السياسي على أهميته الكبرى لا يختزل السياسة ولا يلغي مظاهرها الاخرى في غير فترات الانتخابات وخارج الندوات البلدية أو البرلمانية. اذ يبقى للمواطن الشاب مجالاات عديدة للعمل في الشأن العام أو للتأثير عليه. ولنجاح ذلك العمل، يجب ان تتوفر مجموعة من الشروط أستعرضها عليكم بايجاز في ما يلي:
 
١ -     الشرط الاول: على الشباب تنمية الحس بالمسؤولية تجاه الشأن العام
 
يبدأ هذا الحس بإقامة الفرق بين الدولة والحكومة.
فالدولة اللبناينة هي مجموعة مؤلفة من ارض، وشعب ومؤسسات اهلية، ودستورية منها التشريعية والتنفيذية والقضائية. فنحن جزء من الدولة بقدر ما الحكومة هي جزء آخر منها، وكل فرد منا مسؤول عن ادارة الدولة، ومراقبة ادارة مؤسساتها الدستورية.
 
 
٢ -     الشرط الثاني: على الشباب تكوين رأي في كل ما يتصل بالشأن العام مبني على اساس موضوعي لا على الشعارات فقط
 
وهنا تكمن اهمية تقصي الحقائق، وعدم الاكتفاء بالوقائع المبسطة او المحرفة أوبالدعاية السياسية Propagande من اية جهة أتت، وذلك من اجل تكوين رأي عقلاني لاعاطفي، وبرنامج عمل واقعي وفعال، في كل مسألة يتناولونها. فيثبت الشباب انهم يشذون عن المقولات السائدة بأنهم لا يجيدون فهم المسائل او تحليلها؛ أوانهم لا ينجرون الا وراء العواطف؛ أو "انهم يعرفوا ماذا يرفضون لكنهم لا يعرفوا ماذا يريدون".
Si jeunesse savait, si vieillesse pouvait
 
٣ -     الشرط الثالث: على الشباب الالتزام بقضية ما تتصل بالشأن العام
 
وأذكر هنا ما قاله علم الاجتماع السياسي الالماني "ماكس فيبير" Max Weber:
 
"لا أجد الا نوعين من الخطايا المميتة في السياسة: الا يكون لك قضية تدافع عنها، والا يكون لديك حس بالمسؤولية".
 
Il n'existe, tout compte fait, que deux sortes de péchés mortels en politique: ne défendre aucune cause et n'avoir pas le sentiment de sa responsabilité".
 
وانا أدعو كل واحد منا ان تكون لديه قضية، في اي مجال او موضوع قد يدخل ضمن اختصاصه او اهتمامه؛ فالقضايا في لبنان عديدة؛ الورشة كبيرة وتحتاج الى من يعمل ويفعل: أعطي بعض الامثلة:
 
-        إقامة وتحصين شأن دولة القانون، والدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان
-        توفير الخدمات الصحية والاجتماعية
-        تحسين البيئة والعمل على حمايتها
-        الثقافة والتربية
 
 
٤ -     الشرط الرابع: على الشباب تنمية ثقافة العمل المشترك ضمن جمعيات، تفعل عمل الافراد، وتطبع التزامهم ونشاطهم بطابع الاستمرارية والانتظام وتعمل ايـضـا عــلــى تــعــمــيـق الثقافة الديموقراطية من خلال عملها (أهمية أدبيات الحوار)
 
وهنا يطيب لي ان أذكر عبارة قالها احد اقربائي الذيم هاجروا من لبنان في اول هذا القرن، وأحب لبنان بقدر ما كان ينتقد قلة تمكن اللبناني مع التعاون من غيره ضمن مجموعة، فكان يقول:
          "كل لبناني بيسوى مئة اميركاني، ولكن مئة لبناني ما بيسوو شي".
 
 
٥ -     الشرط الخامس: لا يكون نجاح اي عمل في الشأن العام الا على يد الشباب، فعلى الشباب ان يكونوا فعلا شبابا
 
لكنني لا أعني هنا الشباب على انه حالة عمر بل حالة ذهن:
                   La jeunesse, non comme état d'âge mais comme état d'âme.
فلا فرق هنا بين شاب او كهل الا بالروح التي تسكنه والاندفاع والتفاؤل اللذين يحركان عمله.
 
وقد قال الجنرال الاميركي "ماك آرثر" سنة ١٩٤٥ في ذلك الشباب المتحرر من العمر، أجمل ما كتب، أقرأ عليكم جزء منه هنا:
 
الشباب ليس حالة عمر، بل حالة ذهن
 
 
ليس الشباب حقبة من الحياة
بل انه حالة ذهن ونتاج الارادة
 
الشباب جودة في المخيلة وقوة في العاطفة.
 
هو انتصار الشجاعة على الحياء
ولذة المغامرة على حب الراحة.
 
لا نصبح كهالا لمرورنا عبر عدد من السنين،
بل نمسي عجزا اذا هجرنا مثلنا العليا.
 
ان وقع السنين يجعد البشرة، لكن هجرة المبادىء تجعد الروح
الشكوك والمخاوف واليأس اعداء، يدفعونا ببطىء نحو الثرى،
فنضمحل ترابا قبل الموت.
 
شاب هو ذلك الذي يسكنه الاستغراب والدهشة الدائمين،
فتراه يسأل كالولد الذي لا يهدأ: وماذا بعد؟
تراه يتحدى الواقع والاحداث ليجد البهجة في لعبة الحياة.
 
تكونوا شبابا بقدر ايمانكم وكهالا بقدر شككم،
شبابا بقدر ثقتكم بأنفسكم وبآمالكم، وكهالا بقدر احباطكم
تبقون شبابا طالما بقيتم مستعدين لتقبل كل ذي جمال وخير وكبر،
وتتحولون كهالا اذا أسكتم حواسكم عما يحيط بكم من سوء وشر وتعد على الانسان والطبيعة.
 
فإذا ما سقط يوما قلبكم فريسة التشاؤم والاحباط
فليترأف الله بروحكم الكهلة
 
                                                          الجنرال "ماك آرثر" - ١٩٤٥
 
_______________________
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures