Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

"منتدى الحوار البرلماني" في لبنان: آلية مؤسساتية للتفاعل بين البرلمان والمجتمع المدني

 

"ضريران رزقا ولد مبصر صحيح، فقعوروله عينيه من كثر البقبشة"
مثل لبناني عامي
 
 
بات من المتفق عليه أن من مقومات الديمقراطية اضافة الى آليات الإنتخابات الدورية والحرة والنزيهة وقيام دولة القانون، وجود مجتمع مدني مستقل وناشط ومتفاعل مع المؤسسات (السياسية) الدستورية.
 
وفي لبنان مؤسسات للمجتمع المدني (جمعيات ونقابات ووسائل اعلام وغيرها من المؤسسات) تتميز بالفاعلية والنشاط والقدرة والإستقلالية والطاقة على التحرك والتمويل والتفاعل؛ هذه المؤسسات تحمل هموم وأفكار وتطلعات وخبرات كبيرة جدا . وكذلك/، هناك مؤسسات أهلية وعائلية ودينية/طائفية في غاية الفعالية، وهي متمرسة في فن وآليات التدخل السياسي والتأثير على القرارات العامة والخاصة، حتى أنها كانت موضع انتقاد لما تشكل من إمعان في ربط المؤسسات الدستورية بالنظام الطائفي والمحسوبيات السياسية.
 
وقد بقيت آليات التأثير والتفاعل هذه بين المجتمع المدني/الأهلي والمؤسسات الدستورية (ومنها المجلس النيابي)، تدور في اطار غير منتظم أو غير ممأسس، تحكمه سلطة العلاقات الشخصية والمواقع السياسية والطائفية.
 
يشذ عن قاعدة غياب التنظيم المؤسساتي هذا في التفاعل حالتان:
 
الحالة الأولى: تتمثل بآليات التشاور ضمن اطار اللجان النياية، التي يمكن بموجبها لعدد من الخبراء أو لممثلي القطاعات المعنية بمشروع قانون قيد الدرس حضور جلسات اللجان وابداء الرأي فيها، وذلك بحسب ما تقرره اللجنة أو رئيسها.
 
والحالة الثانية: "منتدى الحوار البرلماني"، الذي يشكل تجربة مؤسساتية لتفعيل التواصل والتفاعل ما بين المجتمع المدني اللبناني والبرلمان، سوف نستعرضها في ما يأتي بأيجاز.
 
 
أولا:    الحاجات والأهداف
 
بتاريخ ٢٨/٩/١٩٩٩، تأسست في لبنان جمعية (غير حكومية) باسم "منتدى الحوار البرلماني" ("المنتدى") بنتيجة آلية تشاور بدأت عام ١٩٩٧[١]؛ وقد جاءت هذه الجمعية ثمرة تعاون بين المجلس النيابي اللبناني واتحاد جمعيات لبناني اسمه "ملتقى الهيئات الأهلية غير الحكومية" و"المركز البرلماني الكندي". وكان دور المنظمة الأخيرة أساسي لتقديم التجربة المقارنة الكندية وغيرها من التجارب المماثلة في العالم.
 
كان تأسيس هذا المركز في اطار سياسي تميز اضافة الى ما استعرضناه آنفا، بما يأتي:
 
·        الحاجة لدى كل من المجلس النيابي والمجتمع الممثل بهيئاته المختلفة الى إعادة وصل ما انقطع من ثقة وتفاعل بينهما، خاصة بعد عمليتي انتخاب (١٩٩٢ و١٩٩٦) تعرضتا لإنتقادات شديدة ان بالنسبة الىقانون الإنتخابات المعتمد في إجرائهما أو بالنسبة الى مدى حريتهما ونزاهتهما وتأثرهما بدعوات واسعة للمقاطعة (خاصة في العام ١٩٩٢).
 
·        الحاجة الى إعادة تفعيل العمل النيابي التشريعي وتطويره بعد سنوات عديدة تأثرت فيها السلطة الإشتراعية بالحروب المتتالية منذ عام ١٩٧٥ حتى ١٩٩٠، والإستفادة من الخبرات والإمكانيات المتوفرة لدى مؤسسات المجتمع المدني.
 
·        الحاجة الى تطوير قدرات هيئات المجتمع المدني من أجل زيادة فعاليتها في التأثير على السياسات العامة في لبنان بشكل عام وعلى التشريع بشكل خاص ، و تفعيل التنسيق في ما بينها و تطوير المهارات الضرورية للتخاطب والمؤسسات العامة، خاصة مجلس النواب، و إيجاد التقنيات اللازمة للتأثير على السياسات العامة.
 
بناء عليه، نص النظام الأساسي للمنتدى على تحديد أهدافه بالشكل الآتي:
 
"يهدف المنتدى الى انشاء وتفعيل التشاور والحوار والتعاون بين مجلس النواب والمنظمات غير الحكومية، والى تدعيم مشاركة الهيئات الاهلية والمدنية في عملية رسم السياسات العامة المتعلقة بالقضايا والاهداف التي تعمل هذه الهيئات على تحقيقها.
 
كذلك يسعى المنتدى الى تعزيز ثقافة ومهارات الحوار والتداول في الشؤون والسياسات العامة لدى المجتمع الاهلي والمدني، والى تصويب البحوث والدراسات والاعمال التي تقوم بها هده الهيئات لوضعها في خدمة العمل التشريعي في مجلس النواب."
 
ولإختصار أهداف المنتدى، وصف في المرحلة التحضيرية بأنه "صندوق بريد ذكي" intelligent mailbox، لإختصار الصفات التي يفترض أن يتحلى بها، وهي أولا التواصل والحيادية (صندوق البريد) بحيث يتجنب المنتدى لعب دور المراقب والمحاسب محافظا على مهامه التواصلية، و ثانياًالدور الإيجابي active الذي يفترض أن يلعبه في المساعدة على التواصل والتفاعل في الإتجاهين بين مؤسسات المجتمع المدني ومجلس النواب (الذكاء).
 
ثانيا:    الأعمال والنشاطات
 
حدد المنتدى لنفسه مجموعة من الأعمال والنشاطات التي تمكنه من تحقيق الأهداف التي رسمها و ذلك على الشكل التالي:
 
·        تأمين المعلومات للبرلمانيين حول برامج المنظمات غير الحكومية واهتماماتها وخبراتها الخ.
 
·        حفظ المعلومات الخاصة بجدول اعمال اللجان البرلمانية ونشرها.
 
·        حفظ المعلومات الخاصة بنشاطات وضع مشاريع قوانين جديدة ونشرها.
 
·        تنظيم نشاطات مشتركة واجتماعات عمل بين اللجان البرلمانية ومنظمات المجتمع المدني.
 
·        دعم وتمكين عملية الاستشارات العامة للجان البرلمانية من خلال إعلام رؤساء واعضاء اللجان عن الخبرات والمصادر والامكانيات المتوفرة لدى منظمات المجتمع المدني اللبناني.
 
·        تسهيل حصول المجتمع المدني على المعلومات والمراجع من البرلمان.
 
·        تأمين عملية التواصل والحوار بين المنظمات والنواب.
 
·        تأمين اتصال النواب بالمنظمات غير الحكومية في مجالات اختصاص هذه المنظمات.
 
·        رصد وتصويب البحوث والدراسات والندوات والانشطة التي يقوم بها المجتمع المدني والاهلي ووضعها في تصرف النواب واللجان النيابية البرلمانية.
 
·        تدريب ممثلي المنظمات غير الحكومية على تحضير الملفات والدراسات والنصوص والبحوث التي قد يحتاجها النواب او اللجان النيابية.
 
·        تنظيم مؤتمرات وورشات عمل ودورات تدريبية هدفها تعريف البرلمانيين والمجتمع المدني بالاهتمامات العامة وتبادل الافكار والاقتراحات.
 
·        تدريب موظفي المجلس النيابي ومستشاري النواب ومساعديهم كي يصبحوا الصلة العملية بين النواب والمجتمع المدني. وتجدر الإشارة الى أن هذا النشاط الأخير لا يقع تماماً ضمن آليات عمل "صندوق البريد الذكي".
 
 
منذ تأسيسه وحتى تاريخه، قام المنتدى بمجموعة من النشاطات أبرزها:
 
اولا: على مستوى ترويج الفكرة وشرحها لدى النواب والعاملين في المجلس، (خاصة في الفترة التي تزامنت مع التأسيس القاوني)
 
·        الترويج لهذه المبادرة في الوسط البرلماني من خلال لقاءات واجتماعات وندوات عمل عدة، فكان التجاوب كاملا من قبل مكاتب مجلس النواب و رئيس المجلس نفسه والعديد النواب.
 
·        تنظيم ورشتي عمل حول الآليات الاستشارية التي يمكن ان تستخدمها اللجان النيابية شارك فيها نواب وخبراء كنديون ولبنانيون وممثلون عن القطاع الأهلي والمدني وأكاديميون وإعلاميون.
 
 
ثانيا:    على ستوى التدريب
 
·        تنظيم مجموعة من الدورات التدريبية لتفعيل مهام ومهارات أمناء سر لجان مجلس النواب. ونعيد التأكيد في هذا المجال، كما أوردنا ذلك سابقا، أن العمل التدريبي هذا لا يندرج ضمن اطار أهداف المنتدى وفلسفته.
 
ثالثا:    على مستوى تعزيز التفاعل
 
·        تنظيم مؤتمر لثلاثة ايام في شباط ١٩٩٩ حضره اكثر من مئة وعشرين مشتركا يمثلون مكاتب نواب وجمعيات ومؤسسات أكاديمية ومدنية وإعلامية ودولية، عرض فيه نهج وكيفية صنع السياسات العامة في لبنان ودور ومهام البرلمان في صنع السياسات العامة وفي آليات وأطر الاستشارات العامة الشعبية.
 
·        تنظيم مؤتمر وطني لمدة ثلاثة ايام في ايلول ١٩٩٩ تناقش خلاله اكثر من مئتي مشارك في مدى اعتراف النظام اللبناني ومواقع القرار فيه بأهمية مشاركة المواطن والهيئات غير الحكومية في رسم السياسات العامة وماهية علاقة النواب بالهيئات غير الحكومية، وقد عرض خلال المؤتمر بعض الدراسات التي تبين نظرة المواطن الى دوره ومشاركته في الشأن العام و أوضحت هذه الدراسات مدى مساهمة الاعلام في ايصال صوت المواطن وفي التاثير على مواقع القرار كما عرضت مجموعات العمل المناطقية تقاريرها عن واقع الجمعيات الاهلية وفي اليوم الاخير تركز البحث والنقاش على كيفية تفعيل الاطر اللامركزية لمشاركة المجتمع المحلي في الحياة البلدية وفي رسم سياستها.
 
·        بين آب ١٩٩٨ وآذار١٩٩٩ تم تنظيم ٤ ورش عمل في اربع محافظات حول كيفية تفعيل الاطر اللامركزية لمشاركة القطاع الاهلي في التاثير على صنع السياسات العامة في لبنان شارك فيها مستشارو وممثلو بعض النواب مع النشطاء من المجتمع المدنى وممثلين عن القطاع الاهلي وادى ذلك الى تأليف مجموعات مناطقية وقطاعية عملت على تشخيص مكامن القوة والضعف عند الجانبين و على تحضير تقارير عن جهوزية واستعداد القطاع الاهلي للتاثير في السياسات العامة. وقد وضع المنتدى في هذا الإطار دليل تدريبي للجمعيات، يرشدها الى كيفية التأثير على السياسات العامة و على المجلس النيابي في عملية التشريع.
 
·        تنظيم ورشة عمل في تموز ١٩٩٩ حول مدى مساهمة استطلاعات الرأي في تعزيز مشاركة المواطن في الشأن العام حيث بينت هده الورشة ماهية استطلاعات الرأي ومدى مساهمتها في التعبير عن آراء المواطنين ومدى تأثيرها على مواقع القرار.
 
يبدو جليا أن المنتدى تمكن من تنفيذ مجموعة من الأعمال والنشاطات التحضيرية والنظرية،لكنه لم يتمكن بعد من القيام بنشاطات عملية؛ وقد توقف عمليا عن أي نشاط. ويعود ذلك برأينا الى مجموعة من الأسباب أبرزها تنظيمية.
 
 
 
 
 
ثالثا:    الهيكلية التنظيمية للمنتدى وإمكانياته
 
منذ الأعمال التحضيرية لتأسيس المنتدى، كان الخيار واقع على تأسيس جمعية مستقلة عن ادارة المجلس النيابي وعن هيئات المجتمع المدني، تثبيتا لمبدأ الإستقلال والحيادية وتعزيزا له.
 
وبمثابة ترجمة لموقف المجلس النيابي ورئيسه بتأييد المنتدى وتعزيز فعاليته، يستفيد المنتدى من مكتب خاص ضمن بناء المجلس بالذات.
 
كما يفترض أن يدير المنتدى هيئة عامة وهيئة ادارية (تمثلان هيئات المجتمع المدني) بمعاونة هيئة استشارية من النواب. لكن الهيئة التأسيسية المؤلفة من سبعة أعضاء ما زالت مسؤولة عن إدارة الجمعية كهيئة تأسيسية أولى وتنتهي ولايتها في ٢٨/٩/٢٠٠٣ ، بحيث يفترض بها أن توسع قاعدة العضوية لينبثق عن الهيئة العامة هيئة إدارية جديدة.
 
لكن المنتدى لم يتمكن من تكوين شخصية لنفسه متخصصة ومستقلة عن بعض أعضائه المؤسسين البارزين والنافذين فيه، وذلك للأسباب الأساسية الآتية:
 
·        لم يتبع المنتدى في معرض تأسيسه آلية واسعة وشفافة، تشرك النواب والهيئات المعنية بأهدافه، وذلك بخلاف التوصيات التي صدرت بنتيجة الاستشارات السابقة للتأسيس. ويفترض الآن تصحيح هذا الخلل عبر انتساب جمعيات جديدة الى الهيئة العامة تكون ممثلة للمجتمع المدني بشكل واسع وتنبثق عنها هيئة ادارية جديدة.
 
·        كانت نشاطات ومصادر تمويل المنتدى في تنافس مع نشاطات بعض أعضائه ومصادرهم التمويلية ووقتهم المتوفر. فلم تعط نشاطات المنتدى الوقت والعناية والدينامية اللازمة لإطلاق مثل هذا العمل الطموح والكبير. ويفترض الآن تصحيح هذا الخلل عبر تعيين موظف متفرغ أو شبه متفرغ للمنتدى، يعمل باشراف الهيئة الإدارية الجديدة، وأن يجري تمويل نشاطات المنتدى من مصادر مختلفة، منها برنامج الأمم المتحدة للتنمية الذي ينفذ برامج مختلفة في المجلس النيابي.
 
·        تزامنت انطلاقة منتدى الحوار البرلماني مع بعض الخلافات بين عرابيه: "الملتقى" و"المركز البرلماني الكندى". لكن دور مثل هذه الهيئات المتخصصة هام جدا في مواكبة انطلاقة المنتدى والإستمرار في نشاطاته. لذلك، نقترح إعادة ربط المنتدى باتفاقيات تعاون تقني مع المركز الكندي وغيره من المراكز، كالبرنامج البرلماني المصري مثلا.


[١] وقد شارك كاتب هذه المقالة في آلية الإستشارات التي سبقت تأسيس "المنتدى" منذ عام ١٩٩٧ وحتى تأسيسه.



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures