Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

مفهوم الإستقلال واطاره اللبناني

 

عشية ذكرى الاستقلال، تتكاثر الخطب، تهب في وجهك المقالات لتنفخ العزيمة او الإحباط اوتدغدغ الشعور الوطني، فتتردد كلمات على كل لسان،اجتماعي وسياسي في فصائل الموالات والمعارضة المختلفة، كطنين الاجراس ايام العيد، او كمثل قرع الطبول، كلمات تتردد كدعاءات الحجابات السحرية لمنع صيبة العين او لتحقيق الحلم المرتجى: استقلال، سيادة، حرية، كرامة، ديمقراطية، ولبنان والحريات صنوان متلازمان لا ينفصلان، ... كلمات ... كلمات ... كلمات.
 
فبالنسبة للبعض، الإستقلال ناجز وكل شيئ على ما يرام باستثناء احتلال مزارع شبعا، وبالنسبة للبعض الآخر، لا استقلال ولا من يحزنون، بل احتلالات متعددة الأطراف وترقب ليوم الفرج.
 
في خضم هذا الجو الملبد، دعوتموني اليوم للتفكير معكم في ما يتجاوز فن الخطابة، الى بحث في مفهوم الإستقلال واطاره اللبناني. وكأني بكم تطلبون مني عشية ذكرى الاستقلال ان نبتعد عن هذه الضوضاء الكلامية، لنستعيد الذكرى، ونستشف المستقبل بأدوات العقل والتحليل. لأجل ذلك، علينا استعراض معاني بعض العبارات والمفاهيم.
 
مفهوم الإستقلال
 
الإستقلال كاحدى وسائل تكوين الدول:
 
بمراجعة سريعة وبسيطة للتاريخ القديم والحديث، نرى ان العديد من الدول – خاصة المركبة منها او التي تتضمن مجتمعات تعددية -- ، هي في حالة من عدم الإستقرار: تتكون او تزول عبر ضم الأقاليم الجغرافية والشعوب المختلفة أو انفصالها، ان بالقوة او طوعيا. ويتنازع في هذا المجال اتجاهان:
اتجاه الدمج والتعاون، ومن افضل الأمثلة على ذلك الإتجاه الإتحاد الأوروبي؛ واتجاه التفسخ والإنفصال، وامثلتها لا تعد ولا تحصى: ومنها السلطنة العثمانية، ويوغوسلافيا القديمة، والإتحاد السوفياتي التي تفتت ونشأت على انقاضه دول مستقلة – منها جمهورية ارمينيا.
 
فالإستقلال بالتالي وسيلة من وسائل نشأة الدول، والتعبير الأسمى عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما يطرح مثل هذا الإستقلال مسألة بناء الدولة وتعزيز وجودها؛ بما فيه بالنسبة للدول ذات التعددية الدينية او العرقية او اللغوية، كيفية تجاوز منطق التطابق بين الدولة والأمة Nation-Sate  وادارة الإختلافات والتعددية وتأمين حقوق الأقليات. أي بالمختصر، تطرح جدلية بناء الدولة nation building  في مواجهة خطر الإستقلال، أي خطر الإنقسامات والتفتت.
 
 
الإستقلال كوجه من اوجه السيادة:
 
في علم السياسة الكلاسيكي، الإستقلال عبارة مرادفة "للسيادة الخارجية"، بمعنى ان القرارات التي تتخذها مؤسسات الدولة المختلفة، المعبرة عن ارادة الشعب صاحب السيادة، يفترض ان تتمتع باعلى درجات السلطة Summa Potestas فلا يمكن ان تعلو عليها ولا ان تشاركها او تنافسها او تفرضها اية سلطة اخرى خارجية.
 
كما ان الدولة تتمتع وحدها بحصرية استعمال القوة المشروعة (بحسب تعريف الدولة لدى ماكس فيبير)، دون سواها من الدول او القوى أو المجموعات الخارجية او الداخلية.
 
هذا هو مفهوم الإستقلال. فهل يحمل أية حدود ممكنة، بما يشير اليه البعض بنسبية الإستقلال؟
 
هل من نسبية لمبدأ الإستقلال:
 
لا يمكن ان يحد الإستقلال، بما هو تعبير عن سيادة الدولة الخارجية، سوى القانون الدولي؛ أي ما ترتضيه الدولة بالذات بتعبير حر ومتكافئ عن ارادتها عبر الإتفاقات الدولية التي تعقدها: اما ثنائيا أو جماعيا (bilateral or multilateral ).
 
فعلى سبيل المثال، فان ابرام الدول ميثاق الأمم المتحدة أو اتفاقيات لاهاي وجنيف، حدت من سياتدها، أي من سلطانها في تقرير الحرب والسلام على اساس قواعد القانون الدولي، التي تمنع تهديد الأمن والسلام العالمي وتسمح على هذا الأساس للمجتمع الدولي، من خلال مجلس الأمن، التدخل لوقف الإعتداءات، اما بالوسائل الديبلوماسية او العسكرية. وبالتالي، فان من نتائج تطور القانون الدولي عبر عشرات، لا بل مئات المعاهدات والإتفاقات، الحد من سيادة الدول في اتخاذ قراراتها، الا وفقا لهذه الإتفاقات. وبات القانون الدولي يغطي مجالات عديدة جدا، ابرزها: لحماية الأمن والسلام، وحقوق الإنسان، والبيئة، وتنظيم التجارة الدولية. وفي جميع هذه المواضيع تقليص لمستوى سيادة واستقلال الدول، مما يسمح مثلا وفق القانون الدولي بالتدخل الإنساني في حالات الإنتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. وجدير بالملاحظة ان هناك ممارسات عسكرية او سياسية مبنية على نظريات الضربات الإستباقية أو الأمن الوقائي تضرب مبدأ سيادة الدول في الصميم، انما تبقى خارج اطار الشرعية الدولية.
 
 العبارة السحرية في ما تقدم، الذي لا يتعارض فيه القانون الدولي مع مبدأ السيادة، فهو التعبير الحر والمتكافئ عن الإرادة السيدة للدولة بالخضوع للقانون الدولي أو لإتفاقية ثنائية. وبالتالي، فان عناصر عديدة يمكن ان تجعل من الإتفاقات الدولية شبه اتفاقيات اذعان، بسبب هيمنة دولة او اكثر على دولة اخرى او مجموعة دول هي اضعف منها عسكريا او اقتصاديا، خاصة بالنسبة لدول العالم الثالث. واذا كانت المفاوضات المتعددة الأطراف توفر فرص اكبر لتحقيق شرطي التعبير الحر والمتكافئ، تتوفر هذه الفرص اقل في المفاوضات الثنائية، او هي تنعدم في حالة هيمنة دولة على اخرى. ففهي هذه الحالة، تكون مثل هذه الإتفاقات مخالفة لمبدأ الإستقلال وتنتقص منه.
 
 
الحالة اللبنانية
 
بالعودة الى الحالة اللبنانية، أرى ان معاني الإستقلال التي استعرضتها بأيجاز، تضع استقلال لبنان ضمن اطارات تاريخية ثلاثة، اسميها الإستقلالات الثلاثة:
 
 
الإستقلال الأول:
 
كان عند اعلان دولة لبنان الكبير بانفصاله عن السلطنة العثمانية، في حدوده الحالية المعترف بها دوليا، بشعبه ومؤسساته التي تحددت في دستور ١٩٢٦ وجميع تعديلاته. وقد تكرس استقلال لبنان، كدولة وكأمة لبنانية (بحسب نص الدستور)، في خضم، لا بل في مواجهة، مطالب متضاربة: من وحدة سورية واسعة او وحدة عربية اوسع.
 
وقد قوي عود استقلال لبنان الدولة مع الزمن، ولم تستطع الحروب المتعاقبة، خاصة منذ عام ١٩٧٥، تفكيك لبنان او ضمه، بل ثبت ان "العقد الإجتماعي" بين اللبنانيين هو رابط سياسي واجتماعي حقيقي. وقد ترجم ذلك في مقدمة الدستور الذي اضيف عام ١٩٩٠ عقب اتفاق الطائف، فتكرست "نهائية لبنان" كركيزة اساسية للوفاق الوطني التي "لا شرعية لأية سلطة" دون تحققه.
 
بناء عليه، المطلوب ان نحمي هذا الإستقلال عبر تعزيز الوحدة الوطنية ضمن التعدد الذي يغني لبنان، فيحوله من دولة الى رسالة، (كما وصف قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لبنان). هذه الوحدة التي لا تستقيم الا عبر احترام النظام الديمقراطي التوافقي في لبنان؛ هذه الديمقراطية التي هي اكثر من انتخابات حرة ونزيهة، وتتجذر في دولة القانون، القائمة على احترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان التي يحميها قضاء حر وفاعل، ويحميها مجتمع مدني (بما فيه الإعلام) متحرك ومتحرر ومؤثر في حماية الديمقراطية.
 
حماية هذا الإستقلال الأول تتطلب حماية الوحدة الوطنية، والوفاق الوطني، وبالتالي حماية الديمقراطية. فيتجدد هذا الإستقلال الأول كلما احسن تطبيق قانون، واحترمت حرية، ومورست الديمقراطية الحقيقية، واشترك المواطنون جديا في انماء واعمار وطنهم، في ورشة دائمة نحو الرفاهية الاقتصادية والامن الاجتماعي.
 
الإستقلال الثاني:
كان استقلال لبنان عن الإنتداب الفرنسي وتعديل الدستور اللبناني لتنزيهه من جميع الأحكام التي كانت تعطي صلاحيات لسلطة الإنتداب والمفوض السامي الفرنسي. هذا هو الإستقلال الذي استقر التقليد السياسي على الإحتفال بذكراه في ٢٢ تشرين الثاني من كل عام منذ ١٩٤٢.
 
هذا الإستقلال الثاني معانية تتمحور حول التعريف الكلاسيكي للسيادة الخارجية، اي رفض أية سلطة اجنبية تنفس السلطة الوطنية في الصلاحيات، أو تتجاوزها وتعلو عليها. وقد تكرس الإستقلال الثاني واستكمل بجلاء جميع الجيوش الفرنسية عن لبنان؛ حتى أن المجلس النيابي في حينه رفض ابرام أية اتفاقية او معاهدة خاصة مع فرنسا تقونن العلاقات المميزة مع هذه "الأم الحنون" التي تضرب جذور علاقاتها مع لبنان في قرون وسنوات طويلة.
 
 
الإستقلال الثالث:
 
هي عملية دائمة ومستمرة، لا تأخذ اشكال قانونية او دستورية، انما هي توق للإستقلال الدائم، أي توق للسيادة الكاملة في اتخاذ القرار بعيدا عن أي تدخل خارجي اجنبي، من أية جهة أتى.
 
هذا الإستقلال الثالث يتطلب العمل الدؤوب حتى تحرير آخر شبر من الأراضي التي ما زالت محتلة من اسرائيل، لا سيما مزارع شبعا، التي يفترض ان تعمل الدولة اللبنانية على استعادتها بجميع الوسائل المتاحة، بما فيها تأكيد حق لبنان في هذه المزارع عبر اتفاقية لبنانية سورية واضحة تبلغ الى منظمة الأمم المتحدة.
 
كما يتطلب هذا الإستقلال اعادة النظر بالعلاقات اللبنانية السورية بهدف تصحيحها وتطويرها، لأنها قامت على اساس ممارسات سياسية خارجة عن اي اتفاق، في اطار هيمنة سورية غير مبررة وغير ضروري على القرار اللبناني.
 
لذلك، دعونا وما زلنا ندعو الى عدم الخشية من طرح ملف العلاقات اللبنانية السورية بجدية وبعلنية دون تخوين أو خوف، وتصحيح الواقع الذي وصلت اليه هذه العلاقات على اسس تكفل احترام التكافؤ والمصالح الخاصة والمشتركة لكل من البلدين في ما يحفظ استقلالهما وسيادتهما، بتوافق وتعاون كاملين بين الحكومتين، من اجل تحقيق ما يأتي:
 
·        تطوير العلاقات السياسية بين البلدين ضمن مبادئ سيادة واستقلال كل منهما، دون تبعية أو هيمنة، وطي صفحة ممارسات الماضي في هذا المجال، بما فيه عملية تدخل أوادخال سوريا أو البعض فيها في الشؤون الداخلية اللبنانية، والإحتكام دائما بدلا من ذلك الى الأطر الدستورية.
 
·        الإتفاق بشفافية وواقعية على برمجة انسحاب القوات السورية واجهزتها المخابراتية، والإبقاء على اقصى درجات التعاون الأمني والدفاعي ضمن المؤسسات القائمة؛ والإتفاق كذلك على آلية التعاون مع القوات السورية والفلسطينية لنزع سلاح المخيمات وادخالها في دائرة سيادة الدولة امنيا.
 
·        تطوير وتصحيح العلاقات الإقتصادية اللبنانية السورية بشكل اكثر واقعية وعملانية وتكافؤ.
 
نؤمن شديد الأيمان ان ذلك سوف يحقق مصلحة لبنانية وسورية ذاتية تؤسس لمصالحة لبنانية لبنانية حقيقية ولبنانية سورية تاريخية، يؤدي تحقيقها عمليا الى تعزيز امننا ووحدتنا الوطنية واستقرارنا الداخلي وليس العكس كما يخشى البعض.
 
ونؤمن شديد الأيمان بأن هذا المطلب بتصحيح العلاقات قديم العهد، لبناني صميم، نردده منذ زمن طويل؛ فهو بالتالي بعيد عن أية مصالح اجنبية أو املاءات دولية، مهما كانت وكيفما كان التعبير عنها؛ فنحن ممن يرفضون تحويل لبنان الى سلعة للتفاوض والإبتزاز، وممن يرفضون التدخل في شؤووننا الداخلية من اية جهة كانت ... لأننا دولة مستقلة.
 
في الختام، نؤكد ان ذكرى الاستقلال حافز للعمل الدائم والدؤوب لتحقيق ما نرتجيه؛ فلنتضامن في المسعي والرجاء؛ ولنبق فسحة للامل، رغم المصاعب، نتغذى من تألمنا من واقع مرير ونتجه بفكرنا وعملنا الى المستقبل المرتجى.
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures