Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

الحرية الدينية وحرية الضمير في ضوء أداة العمل لسينودس الأساقفة [الكاثوليك] الجمعية الخاصة من اجل الشرق الأوسط
شارك النائب غسان مخيبر في المركز الكاثوليكي للاعلام في ندوة حول حرية المعتقد والضميرفي ضوء وثيقة " اداة العمل" لجمعية سنودس الاساقفة الخاصة بالشرق الاوسط. شارك في الندوة الى النائب غسان مخيبر سيادة المطران سمير المظلوم ونقيبة المحامين امل حداد والدكتور محمد السماك. ترأس الندوة وادارها سيادة المطران بشاره الراعي. اجرى النائب مخيبر في مداخلته قراءة في "اداة العمل" لجمعية السنادس الاساقفة وقدم مجموعة من التوصيات والمقترحات بعد ان ابرز ما اشارت اليه "اداة العمل" من تحديات وما أغفلته. تطرق النائب مخيبر على التوالي الى التحديات الاتية: تحدي الجموح الى اصول دينية لحقوق انسان غير متفقة مع المعاير الدولية؛ تحدي توضيح معنى الحرية الدينة ومعاييرها؛ تحدي منع الاسلام تغيير الدين ( جرم الردة ) ورفض التبشير والاقتصاص الديني؛ تحدي تنامي اعمال العنف الحالية، واستمرار ذاكرة الخوف التاريخي من الاضطهاد والابادة الجماعية على اساس الدين. وكان للنائب مخيبر عقب كل تحليل في التحديات، اقتراحات وتوصيات، تجدونها في الدارسة الكاملة المرفقة.

النائب غسان مخيبر

  

 

تناولت أداة العمل لسينودس الأساقفة [الكاثوليك] ("أداة العمل") تمهيدا لإنعقاد الجمعية الخاصة من اجل الشرق الأوسط، بشكل جريئ ومقتضب، احد اهم المواضيع التي تهم المسيحيين في الشرق الأوسط واكثرها دقة وحساسية، الا وهي الحرية الدينية وحرية الضمير (من الفقرة رقم ٣٦ حتى ٤٠ وفي غيرها من فقرات أداة العمل). سوف نجري في هذه المداخلة الموجزة قراءة لهذه الأقسام مع بعض المقترحات، بحيث نبرز ما اشارت اليه أداة العمل من "تحديات" وما اغفلته، مع اضافة بعض المقترحات والتوصيات للمعالجة.

 

١ -     تحدي الجنوح الى اصول دينية لحقوق الإنسان غير متفقة مع المعايير الدولية:

 

حسنا فعلت أداة العمل في ان اولت الإهتمام البارز لحقوق الإنسان بشكل عام وللحريات الأساسية، ومنها "الحرية الدينية وحرية الضمير" التي تشكل احدى اهم هذه الحقوق والحريات. لكنها اغفلت عددا من التحديات الأساسية المتعلقة بهذا الإرتباط الوثيق بحقوق الإنسان:

 

أ –      ان التحدي الأول الذي تواجهه حقوق الإنسان في الشرق الأوسط هي التأكيد على مصادرها المدنية لا الدينية، وبالتالي صفتها العالمية الشاملة دون ارتباطها او تأثرها باية خصوصة دينية التي يسعى البعض، لا سيما بعض المتشددين المسلمين، الصاقها بها للتفلت من تطبيق احكامها[١]. ان التأكيد على هذه الصفة العالمية والمدنية لحقوق الإنسان اساسي من اجل تحديد مضامين معايير حرية "الفكر والوجدان والدين" التي تسعى بعض النصوص الخاصة ذات الطابع العربي[٢] والإسلامي[٣] لحقوق الإنسان الى تضمين احكاما خاصة بها، يتبين عند مراجعتها بدقة انها مختلفة عن المعايير الدولية ودونها في مستوى الحماية المتاحة.

 

ب -     لم تشر أداة العمل صراحة، كما كنت تمنيت ان تفعل، الى العبارة المعتمدة في ادبيات حقوق الإنسان للإشارة الى ثالوث حريات "الفكر والوجدان والدين" Libertes de pensee de conscience et de religion (بدل الحرية "الدينية وحرية الضمير" المعتمدة في أداة العمل)، والى المادة ١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[٤] و١٨ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[٥] و"اعلان الأمم المتحدة حول الغاء جميع اشكال التعصب والتمييز على اساس الدين او المعتقد"[٦]، وهي جميعها اعلانات واتفاقيات دولية ملزمة لدول الشرق الأوسط في مجال ضرورة احترام الحريات الدينية، كون هذه الدول ابرمتها واصبحت تاليا ملزمة قانونا بتنفيذ احكامها.

 

 

٢ -     تحدي توضيح معنى الحرية الدينية ومعايرها:

 

ان المعنى الذي تعطيه أداة العمل للحرية الدينية (الرقم ٣٧) اضيق مما يفترض ان يكون وفق المعايير الدولية. فهي تركز، وبحق، على حرية العبادة (بشكل عام دون تفصيل)، وحرية "ممارسة الديانة سرا وعلنا"، وحرية تغيير الدين، وحرية "الضمير" (اي ان يؤمن الشخص او لا يؤمن).

 

انما حرية الدين (لاسيما حرية اظهار الدين، المختلف عن حرية الوجدان)، تتضمن الحقوق الخاصة الآتية التي يفيد ان تفصلها أداة العمل، او تشير اليها تخصيصا، كتحديات تواجهها الكنائس في العديد من دول الشرق الأوسط[٧]:

 

·        حرية ممارسة العبادات: بناء دور العبادة، استعمال الشعارات الدينية، اختيار رجال الدين، الإحتفال بالأعياد وبايام العطلة والراحة.

 

·        حرية ممارسة التعليم الديني: فتح وادارة المدارس الدينية، انتاج وتوزيع المطبوعات والكتب الدينية.

 

·        حرية ادارة المصالح الدينية: تأسيس وادارة المؤسسات الإجتماعية والخيرية، استلام التمويل المناسب لهذه الغاية، التواصل والتعاون في مسائل الدين على المستويين الوطني والدولي.

 

التوصيات:      العمل مع هيئات حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم على تطوير معايير حريات "الفكر والوجدان والدين" على اساس عالمي ومدني، ضمن اطار مقاربة "العلمنة الإيجابية"، وتطوير ادبيات هذه الحريات وممارساتها الصحيحة ضمن اطار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق العربي لحقوق الإنسان؛ وتأسيس مرقب خاص بالحريات الدينية في الشرق الأوسط.

 

٣ -     تحدي منع الإسلام تغيير الدين (جرم الردة) ورفض التبشير و"الإقتناص الديني"

 

لقد احسنت أداة العمل في التأكيد على ان مسألة تغيير الدين من معايير حرية الدين الأساسية، ومن التحديات التي تواجه هذه الحرية في منطقة الشرق الأوسط. لكنها وضعت حق تغيير الدين في اطار من التحليل الإجتماعي (الرقم ٣٨)، ولم تعالجه مباشرة في كونه يشكل جريمة "الردة" القائمة على اسس دينية في الفقه الإسلامي، ذلك ما يشكل تحد اكبر في هذا الموضوع الشائك كونه يطال مفاهيم دينية، لا اجتماعية وحسب. كما ان ما تشير اليه أداة العمل بالإقتناص الديني او التبشير، وهو مصدر للعديد من الخلافات المؤدية الى انتهاكات لحرية الدين، مرتبط ايضا بحدود مبهمة يجب توضيحها بين حرية التعليم الديني والتبشير المؤدي الى تغيير الدين.

 

التوصيات:      توضيح الموقف واعلانه بشأن الحدود ما بين حق وحرية التعليم الديني لأبناء الطوائف المسيحية واقتناص المسلمين الذي قد تخشاه بعض المجتمعات؛ وتطوير حوار هادف على جميع المستويات، الإجتماعية والقانوينة والفقهية، يعمل على حل المشاكل الناتجة عن بعض الحالات التي يعتبر المسلمون ان فيها حالة "ردة".

 

٤ -     تحدي تنامي اعمال العنف الحالية واستمرار ذاكرة الخوف التاريخي من الإضطهاد والابادة الجماعية على اساس الدين:

 

لا تقيم أداة العمل، بشكل واضح او كاف، الفارق ما بين التحديات الناتجة عن افعال الدول والحكومات، وتلك الناتجة عن اعمال المجتمع ومنظماته ومجموعاته المختلفة. وكليهما يشكل خطرا على حرية الدين بوسائل مختلفة، وتحتاح الى معالجات مختلفة بالنسبة لكل دولة من دول الشرق الأوسط على حدى.

 

فعلى سبيل المثال، ان الأحكام الدستورية والتشريعية والإدارية تحتاج الى ضغوتات سياسية وقانونية لتعديلها، على كل من المستويات المحلية والإقليمية والدولية. أما اعمال الناس والشعب، فتحتاج الى عملية تطوير ثقافية، والتدخل الفعال للقضاء، لملاحقة ومحاسبة التعديات والجرائم القائمة على اساس الدين وبسببه (والبعض من هذه الجرائم قد يحصل بتواطؤ السلطات او تخاذلها في الوقاية منه، او منعه او معاقبة مجرميه).

 

أما المخالفات الأشد خطورة، في الماضي والحاضر، فهي جرائم القتل والتهجير القسري وجرائم الإبادة الجماعية التي ما زالت في الذاكرة الجماعية للعديد من مؤمني كنائس الشرق الأوسط، لا سيما تلك التي ذهب ضحيتها الأرمن والأشوريين والسريان في بدايات القرن الماضي. لا بد بالتالي من معالجة تلك الذاكرة الجماعية التي تربي على الخوف والحذر والإنكفاء والهجرة، عبر وسائل مناسبة.

 

التوصيات:

 

·        العمل، بالمشاركة مع سائر الكنائس الشرقية وهيئات المجتمع المدني والهيئات الرسمية، على تطوير برامج ومناهج تعليمية تنمي ثقافة احترام الإختلاف والحريات الدينية.

 

·        العمل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي للضخط على الحكومات من اجل تطوير سياسات جدية لإحترام معايير الحريات الدينية، لا سيما عبر اجراء الملاحقات والمحاكمات الفعالة لجميع منتهكي هذه الحريات.

 

·        العمل على كتابة تاريخ المجازر الدينية في الشرق الأوسط بالشكل المناسب، وصولا الى المصالحة والعدالة الترميمية، لا سيما عبر الإعتراف بالأخطاء وبناء الأطر الفعالة التي تقي الشعوب والكنائس من تكرار المجازر والإضطهادات.

 

·        تطوير مبادئ وآليات "العلمانية الإيجابية" والدولة المدنية حيث امكن في دول الشرق الأوسط.

 

 



[١] راجع على سبيل المثال: Les Droits de l’Homme – Une universalite menacee, de Gerard Fellous, ed. La Documentation Francaise

[٢] المادة ٣٠ من الميثاق العربي لحقوق الإنسان: ١ - لكل شخص الحق في حرية الفكر والعقيدة والدين ولا يجوز فرض أية قيود عليها إلا بما ينص عليه التشريع النافذ. ٢ - لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده أو ممارسة شعائره الدينية بمفرده أو مع غيره إلا للقيود التي ينص عليها القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع متسامح يحترم الحريات وحقوق الإنسان لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. ٣- للآباء أو الأوصياء حرية تأمين تربية أولادهم دينياً وخلقياً.

 

[٣] إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام (تم إجازته من قبل مجلس وزراء خارجية منظمة مؤتمر العالم الإسلامي ،القاهرة، ٥ أغسطس ١٩٩٠): المادة ١٠: الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه علي الإنسان أو استغلال فقره أو جهله علي تغيير دينه إلي دين آخر أو إلي الإلحاد. المادة ١٨: لكل إنسان الحق في أن يعيش آمنا علي نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله. المادة ٢٢: ... د- لا يجوز إثارة الكراهية القومية والمذهبية وكل ما يؤدي إلي التحريض علي التمييز العنصري بكافة أشكاله.

 

[٤] المادة ١٨ من الإعلات العالمي لحقوق الإنسان: لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه او معتقده، وحريته في إظهار دينه او معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.

[٥] المادة ١٨ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: ١ - لكل انسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين او معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه او معتقده بالتعبد واقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وامام الملأ او على حدة. ٢ - لا يجوز تعريض أحد لاكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين او معتقد يختاره. ٣ - لا يجوز اخضاع حرية الانسان في إظهار دينه او معتقده، الا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة او النظام العام او الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الاساسية. ٤ - تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة.

[٦] قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم ٣٦/٥٥ عام ١٩٨١

[٧] راجع المادة ٦ من اعلان الأمم المتحدة حول الغاء التمييز على اساس الدين المذكور اعلاه، والملاحظات العامة رقم ٢٢ بشأن المادة ١٨ من "العهد" الصادرة عام ١٩٩٤ عن لجنة حقوق الإنسان UN Doc. HRI/GEN/١/Rev.١ (١٩٩٤)

 

 




Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures