Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

الاستقلال المرتجى

 

عشية ذكرى الاستقلال، تتكاثر الخطب، تهب في وجهك المقالات لتنفخ عزيمتك وتدغدغ شعورك الوطني، فتتردد كلمات على كل لسان رسمي وحكومي وسياسي، كطنين الاجراس ايام العيد، او كمثل قرع الطبول، كلمات: استقلال، سيادة، كرامة، ديمقراطية، حرية، ولبنان والحريات صنوان متلازمان لا ينفصلان، ... كلمات ... كلمات ... كلمات.
 
واراني انا عشية ذكرى الاستقلال بعيدا عن هذه الضوضاء، استعيد الذكرى، استشف المستقبل، كمن يسهر في ظلام الليل وينتظر انبعاث الفجر. فأقول مع جبران: "لكم لبنانكم ولي لبناني"؛ "لهم كلماتهم ولي كلماتي".
 
١ -     لهم استقلالهم وسيادتهم، يطالبون، ليكون كاملا، بتطبيق القرار ٤٢٥ وانسحاب جيوش الاحتلال الاسرائلي من جنوب لبنان؛ ويعملون ذهابا وايابا للصداقة والتعاون والتنسيق، ضمن فلسفات غريبة، تقول "بالسيادة النسبية" و"بالشعب الواحد في دولتين شقيقتين".
 
ولي الاستقلال والسيادة، اطالب ليكونا كاملين بجلاء جميع الجيوش الاجنبية عن ارض لبنان، وان تتسلم قوى الامن اللبنانية الذاتية صلاحياتها على كامل التراب الوطني دون اشتراك مع احد؛ على ان تقوم علاقات جيدة، واضحة ومتوازنة بين لبنان وسوريا، على اساس دولتين مستقلتين ذات سيادة واستقلال. ولي منطق آخر لسيادة القانون تجاه اهواء الحكام؛ واستقلال القضاء، الذي آمل ان يرتقي الى سدة السلطة الثالثة، المراقبة لحسن تطبيق القوانين الضامنة لحقوق المواطنين.
 
٢ -     لهم حريتهم: الحرية المسؤولة، ضمن مصلحة امن الدولة، التي تضخمت الى حد ملات معه فسحات الحرية المتاحة في القوانين الوضعية. فبأسم الامن خرقت الحرمات، وجرت اعتقالات مخالفة للاصول القانونية، وجرى التعدي على الكرامة الانسانية بالضرب والتعذيت، واستمر ترويض الصحافة والصحافيين، واستمرت الطباعة والمنشورات الدورية خاضعة للترخيص ولرقابة التوزيع، واستمرت مخالفة حرية الجمعيات وحرية الاجتماع ... ويتغنون بالحرية.
 
ولي الحريات، ترعاها قوانين تحترم المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، التي شارك لبنان في وضع اعلان شرعتها العالمية. لا حدود للحرية الا احترام حريات الاخرين والمجتمع الديمقراطي، ضمن حدود الضمير الواسع النير، الذي يرى في تباين الارآء غنى، وعلة وجود لبنان - الحرية.
 
 
٣ -     لهم ديمقراطيتهم، يشيدون بمؤسساتها التي تعمل، وبالمجلس ولجانه المختلفة، وبمجلس الوزراء، والوزراء، والنواب، الذين احتلوا مناصبهم - وكان شيئا لم يكن- رغم معارضة ٨٧% من الشعب للانتخابات التي اتت بهم الى سدة السلطة، فضاعت السلطة واصبحت في غربة عن الشعب، ذلك الشعب الذي كان ينبغي ان يكون هو مصدر جميع السلطات. ويدعون الى قيام معارضة قوية، لكنهم يفضلون بالممارسة المعارضة المروضة، التي تعارض بالقدر الكافي لتبدو صورة المؤسسات مكتملة، ... ويستمر منطق "التران الماشي" و "العنزة ولو طارت".
 
ولي الديمقراطية، "آخذها جد"، تؤمن بالتفاعل بين المؤسسات الرسمية والمواطنين، وتبقى خدمة الشعب هدفا وعلة لادارة الدولة؛ وأؤمن بالاحتكام الى الشعب، مصدرا حقيقيا للشرعية والسلطة، ذلك الشعب الذي يجب العودة اليه اليوم سريعا قبل ان يفوت الاوان. ولي منطق في الثقافة الديمقراطية، يحتاجها الحكم والمواطنين على حد سواء، ومنطق في فعالية اشتراك كل مواطن في شؤون وطنه العامة، في تفاعل دائم بين القطاع العام والخاص دون ان يطغي اي منهما على الآخر.
 
والحبل على جرار الكلمات: انماء واعمار (الوسط التجاري وغيره)، تفعيل الادارات العامة، الطائفية البغيضة، الوحدة الوطنية، الخصخصة... وغيرها وغيرها، لهم فيها كلماتهم، ولي فيها كلماتي.
 
لكن لبناننا واحد، وعلى الكلمات ان تصبح متجانسة مع مضامينها، ومتفقة معها، فينتهي ليلنا الطويل، وندخل في صبيحة استقلال جديد، يتجدد كلما احسن تطبيق قانون، واحترمت حرية، ومورست الديمقراطية الحقيقية، واشترك المواطنون جديا في انماء واعمار وطنهم، في ورشة دائمة نحو الرفاهية الاقتصادية والامن الاجتماعي.
 
ذكرى الاستقلال حافز للعمل الدائم الدؤوب لتحقيق ما نرتجيه؛ فلنتضامن في المسعي والرجاء؛ ولنبق فسحة للامل، رغم المصاعب، نتغذى من تألمنا من واقع مرير ونتجه بفكرنا وعملنا الى المستقبل المرتجى... فلا بد لليل ان ينجلي... ولا بد للحق ان ينتصر.
غسان مخيبر
 
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures