Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

كتاب مفتوح من المحامي غسان مخيبرالى كل من معالي وزير العدل وحضرة رئيس مجلس القضاء الأعلى وحضرة مدعي عام التمييز

 

تحية واحترام وبعد،
 
يتشرف الموقع أدنا أن يتوجه اليكم بهذا الكتاب المفتوح، بصفتكم معنيين أساسيين في مهمة ادارة السلطة القضائية والاشراف على حسن تطبيق القوانين، وذلك انطلاقا من حرصي الخاص على توفر وصيانة الحريات الأساسية وحقوق الانسان في لبنان وانطلاقا من أيماني العميق بأن القضاء يبقى الضمانة الأساسية في اعلاء شأن مبدأ "دولة القانون" (أو"سيادة القانون") الذي يضمن فعلا الحفاظ على الأمن وعلى الحريات الأساسية وحقوق الانسان على حد سواء.
 
وما يحذو بي الى التوجه اليكم اليوم، هو البلبلة والتشويش الذين اراهما في الاعلام وفي ذهن المواطنين العاديين والحقوقيين على حد سواء حيال موضوع هو بالغ الأهمية في حياة كل انسان في لبنان، مرتبط بمخالفة قاعدة من قواعد أصول المحاكمات الجزائية لجهة انحصار حق النيابة العامة في التوقيف بحالتين اثنين فقط: الأولى حالة الجرم المشهود المستوجب عقوبة جنائية والثانية اذا حدثت جناية أو جنحة، وان لم تكن مشهودة، داخل بيت وطلب صاحب البيت الى المدعي العام اجراء تحقيق بشأنها.
 
طبعا، ليست هذه المسألة جديدة لا بل أن المخالفة المعنية متمادية، لكنها أخذت بعدا اعلاميا واسعا جدا نتيجة قيام جميع وسائل الاعلام بتغطية كثيفة لقضيتين بالغتي الاهمية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وهما اولا قضية استئجار الطائرات السنغافورية من قبل شركة " طيران الشرق الاوسط"، والثانية قضية وفاة الطفلة نتالي دباس، والملابسات المختلفة التي رافقتهما. وقد ثبت من وسائل الاعلام انه قد تم توقيف المدعو مروان بردويل منذ نهار الاثنين الواقع في٢٤ تشرين الثاني ١٩٩٧ وهو ما يزال قيد التوقيف حتى تاريخ تحرير هذا الكتاب (أي بعد ١٤ يوما!) "على ذمة التحقيق" كما ورد تبرير ذلك في وسائل الاعلام، وذلك دون ان يحال الى قاضي التحقيق ودون أن يصدر عن هذا القاضي أية مذكرة؛ وفي ذلك التوقيف مخالفة للقاعدة موضوع هذا الكتاب المفتوح المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية ومخالفة لمبدأ الحرية الشخصية الأساسية التي يكفلها الدستور.
 
ويهمني التأكيد هنا على أن الجرائم موضوع الإستقصاء أو التحقيق مهما كانت خطيرة أو مشينة، ومهما كان ظاهر الحال يدين أم لا الأشخاص المتداولة أسماؤهم في معرض هذه الجرائم، يبقى أن الضمانات التي يوفرها القانون لحرياتهم الشخصية لا يمكن مخالفتها أو الخروج عليها، والا كان من نتيجة ذلك تداعي أسس وقيم مبدأ "سيادة القانون" التي يقوم عليها لبنان. كما اسارع الى التأكيد أن لا تعارض بين مستلزمات تحقيق الأمن وتعقب الجرائم ومعاقبة المجرمين من جهة، وحسن تطبيق أصول المحاكمات الجزائية وصيانة الحريات الأساسية من جهة أخرى، لأن تطبيق القانون يعطي الوسائل اللازمة والكافية لتحقيق جميع هذه الأهداف التي تبدو في ظاهرها فقط وكأنها في مواجهة دائمة.
 
يبدو لي ان ممارسة النيابات العامة أو الضابطة العدلية لعادة التوقيف خارج اطار الحالتين المذكورتين أعلاه، هي غير مرتكزة على أساس قانوني ولا أرى لها تبريرا في أية مادة من مواد القانون. لذلك، أود أن اشارككم في ما يأتي لقراءتي القانونية في موضوع مدى وحدود صلاحية النيابة العامة والضابطة العدلية في التوقيف، عل في ذلك بدء لحوار دقيق، موضوعي وبناء يؤدي الى جلاء الأمور واحقاق الحق والعدل عبر وقف التمادي في ممارسة التوقيفات المخالفة للقانون.
 
١ -     تضمن القانون مجموعة مبادئ جوهرية تؤدي الى صون الحقوق والحريات الأساسية في اطار اتباع أصول التحقيق والمحاكمات الجزائية؛ أولها يتعلق بالحرية والسلامة الشخصية التي نصت عليها المادة ٨ من الدستور كما يلي: "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف الا وفقا لأحكام القانون ". أما المبدأ الأساسي الثاني فهو قرينة البراءة، والمبدأ الأساسي الثالث هو توفير حق الدفاع؛ وقد نصت المادة ١١ فقرة أولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على هذين المبدأين كما يلي: "كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا الى أن تثبت ادانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه."
 
٢ -     وتعزيزا لمبدأ عدم جواز التوقيف الا حصرا في الحالات التي يكون القانون قد لحظها صراحة، نص قانون العقوبات على جريمة خاصة هي "حجز الحرية الشخصية" مفادها أن "كل موظف أوقف أو حبس شخصا في غير الحالات التي ينص عليها القانون يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة" (المادة ٣٦٧)؛ كما نص قانون العقوبات اكمالا لأحكام المادة ٣٦٧ على "ان مديري وحراس السجون أو المعاهد التأديبية أو الاصلاحيات وكل من اضطلع بصلاحيتهم من الموظفين اذا قبلوا شخصا دون مذكرة قضائية أو قرار قضائي أو استبقوه الى أبعد من الأجل المحدد يعاقبون بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات" (المادة ٣٦٨).
 
٣ -     وعملا بمبدأ "سيادة القانون"، ونظرا للخطورة الخاصة التي تتسم بها المعاملات والأصول الجزائية بالنظر لحريات الأفراد، نص قانون أصول المحاكمات الجزائية (أ.م.ج.) بالتفصيل على جميع الأصول التي يمكن وينبغي اتباعها في كل طور من أطوار اللاحقات الجزائية، بدئا من عملية استقصاء الجرائم، والشكاوى وانتهاء بصدور الأحكام والطعن بها واجراءات التنفيذ. وأقام القانون اختصاصا ووظائف مختلفة لكل مرحلة: فأولى مرحلتي التحقيق الأولي والمحاكمة الى القضاء، وأولى مرحلة الاستقصاء الى الضابطة العدلية وعلى رأسها النيابات العامة. وقد عرف القانون بشكل عام وظيفة المدعي العام وموظفي الضابطة العدلية الخاضعين لسلطته في "… استقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها واحالتهم على المحاكم الموكول اليها أمر معاقبتهم" (المادة ١٠ أ.م.ج). وتجدر الإشارة الى أن احدى الفوارق الأساسية بين الأصول الخاصة بكل من المرحلتين، هي توفر حق الدفاع بواسطة محام في مرحلة التحقيق، في حين أن لا أصول خاصة بذلك ملحوظة في مرحلة الإستقصاء؛ ومرد ذلك الى أنها بطبيعتها، لا تستوجب بالضرورة حضور محام، اذا ما احسن تطبيق الأعمال الداخلة ضمن نطاق الاستقصاء دون تجاوز.
 
٤ -     استثناءا لمبدأ حصر صلاحية المدعي العام وموظفي الضابطة العدلية كما بينا ذلك باستقصاء الجرائم، أجاز القانون الى النيابة العامة أو للضابطة العدلية القيام بأعمال التحقيق واذا اقتضى الأمر التوقيف في حالتين اثنين حصرا هما: الأولى حالة "الجرم المشهود المستوجب عقوبة جنائية" (المادة ٣٥ أ.م.ج) والثانية "اذا حدثت جناية أو جنحة، وان لم تكن مشهودة، داخل بيت وطلب صاحب البيت الى المدعي العام اجراء تحقيق بشأنها" (المادة ٤١ أ.م.ج.). في هاتين الحالتين المحصورتين، أجاز القانون للمدعي العام استثنائيا اجراء التحقيق بصلاحيات شبيهة بصلاحيات قاضي التحقيق، بما فيه "القبض على كل شخص من الحضور يستدل بالقرائن القوية على أنه فاعل الجرم [المشهود] المستوجب عقوبة جنائية." (المادة ٣٥ أ.م.ج.).
 
٥ -     خارج عن هاتين الحالتين المذكورتين أعلاه، اذا اطلع المدعي العام بأية طريقة عن وقوع أي جرم (جناية كانت او جنحة) في منطقة ما، أو حتى اذا "… علم بأن الشخص المظنون فيه انه ارتكب الجناية أو الجنحة موجود في منطقته …"، فلا يسعه الا احالة القضية الى قاضي التحقيق "… فيطلب [اليه] ان يجري التحقيقات وأن يتوجه بنفسه الى محل الحادث اذا لزم الأمر لينظم فيه المحاضر المقتضاة طبقا لما هو مبين في الفصل الخاص بقضاة التحقيق"، كأن يسطر مثلا مذكرة جلب أو احضار أو توقيف. (المادة ٤٢ أ.م.ج.).
 
٦ -     كما أناط القانون بالمدعي العام صلاحية السهر على حسن تطبيق الأصول الجزائية بصفته حام للحريات الأساسية. ومن الأمثلة على هذا الدور ما نص عليه قانون أصول المحاكمات في مادتيه ١٠٢ و١٠٣ اللتان تنظمان أصول التحقيق مع المدعى عليه المطلوب بمذكرة جلب، أي بمذكرة صادرة عن قاضي التحقيق نفسه (تنفيذا للمادة ١٠٠ أ.م.ج.). لأنه على قاضي التحقيق استجواب المدعى عليه المطلوب بمذكرة جلب "في الحال"؛ "أما المدعى عليه الذي جلب بمذكرة احضار فيستجوب خلال أربع وعشرين ساعة من وضعه في النظارة". بعد أن وضع القانون المبدأ (أي الإستجواب الفوري أو خلال ٢٤ ساعة من قبل قاضي التحقيق)، نص القانون على ضمانة حسن تطبيق هذا المبدأ كما يلي (الفقرة ٢ من المادة ١٠٢ والمادة ١٠٣ أ.م.ج.): "حال انقضاء الأربع وعشرين ساعة يسوق رئيس النظارة، من تلقاء نفسه، المدعى عليه الى المدعي العام فيطلب هذا الى قاضي التحقيق سماع المدعى عليه فان أبى أو كان غائبا أو حال دون سماعه مانع شرعي فيطلب المدعي العام الى رئيس المحكمة أن يستجوبه او أن يعهد الى أحد قضاته بهذا الأمر. فان تعذر استجواب المدعى عليه أمر المدعي العام باطلاق سراحه في الحال". "اذا اوقف المدعى عليه بموجب مذكرة احضار وظل في النظارة اكثر من أربع وعشرين ساعة دون ان يستجوب أو يساق الى المدعي العام وفقا لما ورد في المادة السابقة [١٠٢] يعتبر توقيفه عملا تعسفيا ويلاحق الموظف المسؤول بجريمة حجز الحرية الشخصية المنصوص عليها في المادة ٢٦٨ من قانون العقوبات".
 
٧ -     درجت الممارسة على أن تقوم النيابة العامة والضابطة العدلية ضمن اطار عمليات الاستقصاء الداخلة ضمن اطار صلاحياتها، باجراءات تدخل عادة في اطار عمليات التحقيق التي هي من صلاحية قاضي التحقيق (كأن تستمع الى شهود وحتى الى المدعى عليه، أو ان تدخل الى المنازل لتفتيشها، أو أن تضبط مواد تشكل ادلة في الموضوع قيد الاستقصاء). ويكون القيام بهذه الاجراءات مقبولا ومبررا اذا ما هدفت الى اعطاء النيابة العامة العناصر المادية التي تساعدها على تكوين رأي في مدى جدية الشكاوى والاخبارات التي تردها، لكي ما تقرر على ضوئها عما اذا كانت سوف تحيل الشكوى الى قاضي التحقيق أم لا. وقد أوضح العلم والاجتهاد حدود أعمال الاستقصاء الواسعة هذه، فأكدا على أن طبيعتها غير ملزمة: بمعنى أن كل من الأشخاص المعنيين بها يخضعون لها اذا ما قبلوا ذلك طوعا، ولا يمكن ارغامهم على ذلك اسوة بالقوة الالزامية التي تتمتع بها المذكرات التي لا يسع الا لقاضي التحقيق تسطيرها (من مذكرات جلب واحضار وتوقيف ومداهمة أو تفتيش منزل … الخ). وفي مطلق الأحوال، يبقى أنه لا يسع النيابة العامة أو الضابطة العدلية أي حق في التوقيف الا في الحالتين اللتين أسلفنا بيانهما.
 
٨ -     على سبيل الاستطراد الكلي، وحتى لو سلم البعض جدلا ومن منطلق التساهل، بجواز التوقيف بقرار من النيابة العامة تمهيدا للإحالة أمام قاضي التحقيق، يبقى أن هذا التوقيف لا يمكن أن يتجاوز الوقت القصير اللازم لنقل الشخص المعني من مكان التوقيف الى مكتب قاضي التحقيق صاحب الصلاحية (ولا يعقل أن يزيد هذا الوقت عن الساعات المعدودة).
 
في الخلاصة، وبعد هذا العرض القانوني المقتضب، أرجو منكم كل في اطار صلاحيته القانونية، العمل على وقف ممارسات التوقيف المخالفة للقانون، اعلاء لمبدأ "سيادة القانون" في لبنان وصونا للحريات الأساسية.
 
وتفضلوا بقبول الاحترام
المحامي غسان مخيبر



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures