Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

القضاء العسكري ؟!

 

بتاريخ ٧ نيسان ١٩٩٧، أصدرت "لجنة حقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة في دورتها ال٥٩ المنعقدة في نيويورك تقريرا بعنوان "ملاحظات ختامية" ورد فيه فقرة كاملة (رقم ١٣) تتعلق بالقضاء العسكري اللبناني، في ما يلي نصها:
 
"تبدي اللجنة قلقا حيال الصلاحية الواسعة التي تتمتع بها المحاكم العسكرية في لبنان، خاصة وأنها تتجاوز حدود المسائل التأديبية لتطال المدنيين. وهي أيضا قلقة بشأن الأصول التي تتبعها تلك المحاكم وبشأن عدم وجود رقابة المحاكم العادية على أعمالها وأحكامها. ينبغي على الدولة المتعاقدة [أي لبنان] أن تعيد النظر في صلاحية المحاكم العسكرية وتنقلها الى المحاكم المدنية في جميع المحاكمات التي تتعلق بالمدنيين أو بحالات انتهاك حقوق الانسان التي يقترفها العسكريين."
 
وكانت لجنة حقوق الإنسان لدى منظمة الأمم المتحدة، التي تتضمن ١٩ خبيرا قانونيا من جميع أنحاء العالم (وكانت من عدادهم المغفور لها الأستاذة لور مغيزل)، أتمت مراجعة ومناقشة التقرير اللبناني الرسمي المرفوع اليها استنادا الى أحكام المادة ٤٠ من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" بحضور مندوب رسمي عن الحكومة اللبنانية.
 
وقد أصابت اللجنة في ملاحظاتها على نظام القضاء العسكري اللبناني وفي الاقتراحات التي قدمتها لتصويب القانون والممارسة بما يتفق مع العهد الدولي المذكور. وبينت تلك التعليقات بشكل غير مباشر أبرز الخصائص التي يتميز بها تنظيم القضاء العسكري في لبنان، وسوف نستعرضها بإيجاز في هذه المقالة.
 
 
أولا: في صلاحيات القضاء العسكري التي تطال المدنيين
 
تختص المحكمة العسكرية بالنظر في عدد كبير جدا من الحالات التي ترتبط بأنواع محددة من الجرائم (الصلاحية النوعية) وبشخص المدعى عليهم (الصلاحية الشخصية)، يجعلها تتجاوز اطار العسكريين، لتطال المدنيين في حالات عديدة.
 
من الطبيعي أن يكون هناك في الدول الديمقراطية محكمة عسكرية متخصصة بالنظر في الجرائم المسلكية أو الخاصة بالعمل وبالتنظيم العسكري. وقد أعطى القانون اللبناني القضاء العسكري هذه الصلاحية المتعلقة بالجرائم والعقوبات الخاصة بافراد القوى المسلحة وهي على سبيل المثال: التخلف عن الالتحاق بالخدمة، الفرار، الجرائم المخلة بالشرف والواجب، التسليم، الخيانة والمؤامرة العسكرية والتجسس، انتحال الألبسة والأوسمة والشارات، الجرائم المخلة بالإنضباط العسكري، التمرد، العصيان، رفض الطاعة، التحقير وأعمال الشدة الواقعة على الرؤساء، اساءة استعمال السلطة، مخالفة التعليمات العسكرية؛ جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو؛ الجرائم المرتكبة في المعسكرات وفي المؤسسات والثكنات العسكرية.
 
لكن القضاء العسكري في لبنان يحفظ صلاحيته أيضا في مجموعة كبيرة من الحالات للتحقيق مع مدنيين ومحاكمتهم. إن مثل هذه الصلاحية الواسعة، أكان مصدرها في القانون أو في الممارسة، لا تتفق مع المعايير والضمانات المعتبرة في الدول الديمقراطية، لأن المحاكم العسكرية ينبغي أن تتسم دائما بطابع القضاء الاستثنائي الخاص وألا تطال المدنيين. ومن الأمثلة على تلك الحالات: الجرائم الواقعة على شخص أحد العسكريين من الجيش أو أحد رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام، والجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام اذا كان لهذه الجرائم علاقة بالوظيفة وتستمر هذه الصلاحية بعد تسريح الأشخاص المذكورين؛ الجرائم الواقعة على شخص أحد رجال الجيوش الأجنبية أو التي تمس بمصلحتها ما لم يكن هناك اتفاق على تحديد الصلاحية بين الحكومة اللبنانية والسلطة التابعة لهذه الجيوش؛ جميع الجرائم، مهما كان نوعها، التي تمس مصلحة الجيش أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام؛ الجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر. كما يحفظ القضاء العسكري صلاحيته في مخالفة قانون المطبوعات المتعلق بالمناشير.
 
يتضح من تلك الأمثلة، كم أن صلاحية القضاء العسكري واسعة، وقد أكدت الممارسة عليها، وامعنت في حفظها، فكان التحقيق مع عدد كبير جدا من المدنيين ومحاكمتهم، لارتباطهم بشكل أو بآخر بحادثة أو بجريمة تقع من قريب أو من بعيد ضمن الوصف القانوني للجرائم المعددة أعلاه.
 
المطلوب هو حصر صلاحية القضاء العسكري بالمخالفات والجرائم المسلكية أو تلك الخاصة بالعمل العسكري، وحفظ صلاحية التحقيق مع المدنيين ومحاكمتهم بواسطة القضاء العدلي العادي دون سواه. وقد ورد هذا المطلب في تقرير لجنة حقوق الانسان لدى الأمم المتحدة المذكور آنفا، كما ورد في مواقف عديدة مماثلة لهيئات وشخصيات نذكر منها نقابة المحامين في بيروت والمغفور له الأستاذ جوزيف مغيزل (في العدد الأول من ملحق "حقوق الناس").
 
 
ثانيا: في الاستقلالية البنيوية المحدودة للقضاء العسكري
 
مما يزيد القلق حيال الصلاحية الواسعة للقضاء العسكري، كون هذا القضاء يتألف من عدد من الهيئات والأجهزة المختلفة التي تتكون من أقلية قضاة عدليين ومن أكثرية عسكريين، يجري تعيين العسكريين منهم ومناقلتهم وفق شروط وأصول لا تتوافق والمعايير التي تضمن حياد واستقلال القضاء.
 
فمحكمة التمييز العسكرية هي برئاسة قاض عدلي وبعضوية اما أثنين أو اربعة أعضاء من الضباط العسكريين (بحسب الجريمة قيد المحاكمة، أجناية أم جنحة)؛ والمحكمة العسكرية الدائمة (وهذه الهيئة هي الأكثر بروزا في العمل وفي التعاطي مع المواطنين) هي برئاسة ضابط عسكري وبعضوية قاض عدلي واحد بالاضافة الى ضابط واحد أو ثلاثة ضباط عسكريين (بحسب الجريمة قيد المحاكمة). أما القضاة المنفردين العسكريين في المحافظات، وقضاة التحقيق فيمكن أن يكونوا اما قضاة عدليين أو ضباط عسكريين. ومفوض الحكومة (ويقوم بمهام النيابة العامة) فهو من القضاة العدليين؛ أما معاونوه، فيمكن أن يكونوا من القضاة العدليين أو من الضباط العسكريين.
 
أما بالنسبة الى حيازة العسكريين الداخلين في ملاك القضاء العسكري على الإجازة في الحقوق، فان ذلك لم يرد كشرط للتعيين الا بالنسبة الى قضاة التحقيق ومعاونو مفوض الحكومة؛ أما بالنسبة الى باقي الهيئات، فلقد تعددت الأحكام: فاما خلو النص من أي تحديد أو اعتبار أن حيازة اجازة الحقوق اختيارية.
 
يبقى العسكريون الذين يقومون بمهام القضاء العسكري مرتبطين بنيويا بالسلطة الادارية، ولا يتمتعون بحصانات كافية لضمانة حيادهم واستقلاليتهم. فان تعيين الضباط العسكريين الداخلين ضمن ملاك القضاء العسكري يجريه وزير الدفاع بقرار مبني على اقتراح السلطة العسكرية العليا، وذلك لفترة سنة واحدة، وهي فترة قصيرة؛ كما يحق له وفق نفس الأصول تعديل هذا القرار في أي وقت في السنة (كاجراء المناقلات والاعفاء من المهام). ويبقى العسكريون رؤساء المحاكم العسكرية وأعضاؤها تابعين مباشرة لوزير الدفاع الوطني، مع بقائهم خاضعين لأنظمة السلك الذي ينتمون اليه. ويتمتعون بحصانات ضئيلة، تتمثل بأنه طيلة ممارستهم وظائفهم القضائية وبسبب هذه الوظائف فقط، لا يجوز احالتهم الى هيئة تحقيق أو الى أية محكمة عسكرية أو انزال عقوبات تأديبية بهم، الا بأمر من وزير الدفاع.
 
ان مجمل هذه الأحكام وغيرها المتعلقة بالقانون وبالممارسة، تبين مدى الضعف البنيوي الذي يعتري شروط وأصول تعيين العسكريين الذين يقومون بمهام قضائية ضمن المحاكم العسكرية. فلا تتوفر في تلك الأحكام الضمانات اللازمة لتأمين حياد واستقلاية هؤلاء في تأدية مهماتهم القضائية. ولا يمكن أن تتوفر تلك الضمانات الا اذا جرى تعديل القانون لأجل ارتباط القضاء العسكري بالسلطة القضائية المتمثلة حاليا بمجلس القضاء الأعلى وليس بالسلطة التنفيذية، واختيار القضاة العسكريين من بين حملة اجازات الحقوق دون سواهم بعد اخضاعهم الى دراسة وتدرج خاصين اسوة بالقضاة العدليين، وتعيينهم لمدة طويلة وضمانة عدم مناقلتهم الا ضمن أصول وشروط محددة.
 
 
ثالثا: في عدم جواز اقامة دعوى الحق الشخصي
 
ينفرد القضاء العسكري دون سواه من المحاكم الجزائية في لبنان، أنه تنحصر به دعوى الحق العام دون الحق الشخصي. هذا يعني بأن المتضرر من فعل جرمي، أكان عسكريا أو مدنيا، يحق له فقط المبادرة الى تقديم شكوى الى القضاء العسكري الذي تعود اليه وحده مسألة اقامة الملاحقة أم لا واجراء التحقيقات والمحاكمة اذا اقتضى الأمر بمعزل عن الشاكي، الذي لا يجوز الإستماع اليه الا على سبيل المعلومات. ولا يحق للشاكي المطالبة بالتعويض المادي (أي العطل والضرر) الا أمام المحكمة المدنية الصالحة بدعوى منفصلة، التي يتوقف صدور الحكم بها حتى فصل دعوى الحق العام نهائيا. ينتج بالتالي عن ذلك، بالاضافة الى اطالة أجل المحاكمة واحقاق الحق بالنسبة للبعد المادي، أنه في البعد الجزائي، لا يتمكن الشاكي المتضرر أو صاحب العلاقة من أن يلاحق بنفسه مجريات دعوى الحق العام بصفة مدع كما في المحاكم الجزائية العدلية، فيمثل شخصيا أو بواسطة محام في جلسات التحقيق، ويشترك في تقديم الأدلة على الجرم. وتبقى ملاحقة الجرائم لدى القضاء العسكري مسألة يستنسبها بنفسه، وقد لا يجري الملاحقة أو التحقيق حتى ولو توفرت الأدلة على اقتراف الجرم لسبب أو لآخر (مثلا: ما ورد في تقرير لجنة الأمم المتحدة من "حالات انتهاك حقوق الانسان التي يقترفها العسكريين").
 
وتجدر الاشارة بأن هناك مشروع قانون قيد الاعداد يتعلق بالقضاء العسكري، يوليه صلاحية النظر في دعوى الحق العام وفي دعوى الحق الشخصي في آن واحد. فاذا ما اقر هذا التدبير التشريعي، تحسن الوضع بانتظار اقرار الاقتراحات الأخرى الواردة في تقرير الأمم المتحدة.
 
 
لقد استعرضنا بعض خصائص القضاء العسكري في لبنان من الناحية البنيوية التنظيمية، على ضوء تقرير لجنة حقوق الانسان لدى الأمم المتحدة واقتراحاتها بهذا الصدد. لكن تبقى مسائل عديدة أخرى تثيرها دراسة واقع القضاء العسكري موضوع قلق لدى عدد من القانونيين، هي خارج اطار هذه المقالة الموجزة، وهي تتعلق بشكل رئيسي بعمل هذا القضاء وعمل الضابطة العدلية لديه، خاصة بالنسبة الى مدى انطباق اعمالها مع أصول الاستقصاء والتحقيق والضمانات التي نص عليها القانون من أجل قمع الجرائم والمحافظة على الأمن العام مع المحافظة على حقوق وكرامة المواطنين وحرياتهم في آن واحد.
 
فلا أمن واستقرار (الذين يرتجيهما جميع المواطنين) دون دولة القانون التي تحترم الحريات العامة وحقوق الانسان وتحميها، ولا دولة قانون دون قضاء يكون مستقلا حق الاستقلال وفاعلا حق الفعالية.
 
____________________



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures