Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

قانون الجمعيات في لبنان والبلدان العربية
"ليس هناك دول حيث الجمعيات هي أكثر ضرورة لمنع طغيان الأحزاب أو تعسف الأمير أكثر من تلك الموجودة في الحكم الديموقراطي. عند الأمم الأرستقراطية الأجسام الثانوية تؤسس جمعيات طبيعية تلجم تجاوز السلطة. في البلدان حيث لا توجد هذه الجمعيات، وإذا لم تستطع الخاصة أن تخلق ولو بشكل مصطنع أو ظرفي شيئاً يشبهها لا أتوقع أكثر من ذلك عقبات ليس لها أي شكل من اغتصاب السلطة وشعب كبير يمكن أن يكون مظلوماً بطعنة من متآمر أو من رجل". ألكسي دو توكفيل

 

كان للعام ٢٠٠١ أثر كبير في فرنسا خلال الإحتفال بمئوية " القانون المتعلق بعقد الجمعيات" الصادر في ٢ تموز ١٩٠١. و قد كانت هذه المناسبة رداً لجميل المشرِّع الفرنسي في الجمهورية الثالثة و للمؤسس الأول و الأساسي؛ وهو إذا لم يكن كذلك فهو ردٌ لجميل واضع هذا القانون الليبرالي الاستثنائي وزير الداخلية آنذاك "والرك روسو". و قد كانت أيضاً مناسبة للتفكير في أهمية القانون في الجمعيات، و الموجّه الرئيسي لتغذية مبادئ الحرية والديمقراطية والسعي إلى التطوير الاجتماعي و السياسي. وإنني أقترح في هذه الدراسة الموجزة الخوض في مساحة من التفكير والتحليل في القانون اللبناني والعربي المتعلق بالجمعيات، مع الإشارة إلى تأثير قانون عام ١٩٠١ الذي تـبـنـَّـته مجموعة القوانين في البلدان العربية بواسطة قانون الجمعيات العثماني الصادر في ٢٩ رجب ١٣٢٥ هـ/ ١٣ آب ١٩٠٩ . والسؤال المطروح: ماذا فعلنا بهذا الموروث الليبرالي؟
 
من المفيد أن نذكر الدور الرئيسي الذي تضطلع به الجمعيات في تأسيس المجتمع المدني[١]، كونها اضطلعت بالأدوار التالية على مراحل:
 
·                    وسيلة ضغط مؤسسة لمواجهة التنظيمات الدستورية للدولة.
·                    شكل من أشكال المشاركة الديموقراطية وعامل لتأهيل المواطن في المشاركة المدنية.
·                    عامل تطوّر اجتماعي واقتصادي.
·                    وسيلة دفاع عن القانونوق العامة والجماعية.
 
وبرغم أهمية الدور الذي تقوم به هذه الجمعيات، إلا أنَّ حرية الجمعيات أثارت، دون شكٍّ، ريبة الأنظمة السياسية بسبب هذا الدور الاساسي في وضع أسس الديموقراطية، أضف إلى ذلك أنَّ قانون الجمعيات هو فرع من فروع القانون نادراً ما لفت أنظار رجال القانون والمحامين، ليس في لبنان فحسب، بل في كافة الدول العربية الأخرى وفي مختلف دول العالم أيضاً.
 
وإنَّ هذه الجمعيات -المعرّفة بشكل أساسي نسبةً إلى خصائصها- تهدف إلى منع تجزئة الأحكام، وهي معروفة على نحو ضئيل ولكنها حظيت بالدراسة أكثر في مؤسسات المجتمعات القديمة[٢].
 
نستنتج أنَّ الحرية الأساسية، أي حرية الجمعيات وليس غيرها، هي أحد القانونوق التي أهمل القانون الدولي تعريف عناصرها، ممّا أوجب تسميتها بالـ "الحرية المهملة" من قِبل "لجنة المحامين لقانونوق الإنسان" ((Lawyer’s Committee for Human Rights.
 
وما يزال قانون الجمعيات في البلدان العربية غير معروف للعامة، بل إنَّ الدول العربية المختلفة تُسِيءُ تنفيذه بوجه خاص، وتستعمله كوسيلة مراقبة سياسية لمجتمعاتها المدنية؛ ووضعها تحت رقابة مشددّة، إن لم نقل تحت الوصاية.
 
إنَّ الدوافع الأساسية هي في غالب الأحيان غير مبررّه، لأنها تلمس عن قرب الخوف من التطور الديموقراطي الذي يسعى إليه التطور المجتمعي، و كذلك المضاربة ضمن النشاط العام و بخاصة النشاط الاجتماعي الذي لا تتقبله الكثير من الحكومات.
 
وكذلك فإن قانون الجمعيات يعكس بنزاهة مساحة المراقبة الواسعة للمجتمعات التي تسعى إليها الحكومات، لتصبح بذلك من أهم الدلائل على التطور الديموقراطي في المجتمع وفي الدولة.
 
إنّ هذه المحاضرة ستعرض لكم تقييماً مقارناً لقانون اتجمع في البلدان العربية التالية[٣]: لبنان، سورية، الأردن، فلسطين، اليمن، جمهورية مصر العربية، تونس، الجزائر، المغرب؛ مع العلم أنّ معظم التفاصيل ستتركّز في القانون اللبناني.
 
وستستند دراستنا على فصول كل واحد منها مخصّص لدولة من الدول التسع الآنف ذكرها، والتي نُشرت باللغة العربية في سنة ١٩٩٩ من قبل جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات، وذلك في كتاب صدر تحت عنوان "تنظيم الجمعيات في الدول العربية"، يمكن وضعه ضمن إطار المبادرة العربية لحرية الجمعيات ( وهو ما سأستند عليه لدى الكلام على "المبادرة العربية")[٤].
 
إنّ مصطلح " الجمعيات" ، كما استعمل في هذه الدراسة والإعلان العربي يعني المؤسسات المعروفة في أعراف القانون المدني الفرنسي، كما عرفتها المادة الأولى من قانون الجمعيات العثماني/اللبناني. وهي تشمل بذلك "كل جسم مركب من قبل مجموعة معينة من الأشخاص الذين يحاولون الجمعيات، ولفترة زمنية دائمة معروفة نشاطاتهم أو أهدافهم التي تسعى إليها الجمعيات، الأمر الذي أصبحت خصائصه تميّز شكل الجمعيات، والذي يدور حوله موضوع هذه الدراسة، تضم إليه النوادي والأحزاب والنقابات والتعاونيات، إلخ...
 
ولكن قبل أن نقوم بتقييم التشريعات، سنبيِّن ما يلي:
 
(ا)     تعريف مساحة حرية الجمعيات في القانون الدولي.
(ب)    في القانون الدستوري.
(ج)    مصادر هذا القانون.
(د)     وضع هذه المصادر في إطارها القانوني والاجتماعي–السياسي في لبنان والدول العربية.
 
 
القسم الأول: مصادر قانون الجمعيات في الإطار القانوني للدول العربية
 
١.    حرية الجمعيات تقع ضمن إطار الحريات الأساسية المعترف بها عالمياً:
 
لم يعد من الضروري البرهان على أنَّ قانون الجمعيات يدخل ضمن إطار عام من الحريات الأساسية، وليس الحريات الثانوية، كون حرية الجمعيات يمكن أن تعتبر ركيزةً أو مؤسسة لأكثرية الحريات الأخرى[٥].
 
أما حرية تأسيس الجمعيات فتنص عليها المادة ٢٠ من الإعلان العالمي لقانونوق الإنسان (الصادر في ١٠ كانون الأول ١٩٤٨)، والمادة ٢٢ من الميثاق الدولي للقانونوق السياسية والاجتماعية والثقافية (الصادر في ١٩ كانون الأول ١٩٦٦)[٦].
 
إن هذه النصوص الأساسية ذات أهمية كبيرة، لتوافق جميع البلدان العربية عليها، ممَّا يجعلها جزءاً مهماً ومكمّلاً للتشريعات الوطنية.
 
ويجب أن نذكر أيضاً، وعلى سبيل المثال، أنَّ المادة الثانية من أصول المحاكمات المدنية اللبنانية تتضمن المعاهدات الدولية الموافق عليها من قبل مجلس النواب اللبناني وهي تتمتع بميزة التطبيق الفوري. وفي حالة التضارب مع قواعد القانون الداخلي، فإن ما يُطبَّق هو القانون الدولي.
 
ويندرج تحت مبدأ الحرية النتائج التالية، المنصوص عليها في المادة ٢٢، الفقرة الثانية من الميثاق الدولي الأول: "إن ممارسة قانون الجمعيات لن يكون سوى الوسيلة الوحيدة من بين القيود القانونية المحدَّدة حصراً في القانون والضروري في الدولة الديموقراطية، لمصلحة الأمنين الوطني والعام، والنظم العامة، إضافة الى حماية الصحة والأخلاق العامة أو قانونوق الآخرين وحرياتهم".
 
إضافة إلى ما سبق، و كما أنَّ المبدأ هو الحرية، فإن كل نص يحدّدها يجب أن يفسَّر حصراً. لذلك، فإن حرية الجمعيات وهي حجر الأساس في قانون الجمعيات، عرفت تأخيراً قبل أن تفرض نفسها في لائحة الحريات الأساسية المؤسسة للديموقراطية، وذلك لأسباب الحذر السياسي والاجتماعي[٧].
 
في فرنسا، وبالرغم من أنَّ إعلان سنة ١٧٨٩ يحفظ حرية الجمعيات، كان يجب انتظار الجمهورية الثانية لكي تصبح هذه الحرية منصوصة في المادة الثامنة من دستور ٤ تشرين الثاني ١٨٤٨.
 
إن هذا التقدم البطيء لحرية الجمعيات في التشريع الفرنسي نراه أيضاً في نفس الحالة في القانون الدولي، بالرغم من أن حرية الجمعيات نصت عليها القوانين والمعاهدات الدولية التي سبق ذكرها، فهي لا تستفيد من نص أو معاهدة خاصة تعدّ المضمون و مساحة التطبيق.
 
والمعاهدة الوحيدة التي تشذ عن القاعدة هي منظمة العمل الدولية"، [التي تنص على حرية تأسيس النقابات وحماية هذا القانون[ كونها تحتوي هذا الإعداد في المواد ٢، ٣، ٤، ٧، ٨. وكذلك فإن مضمون حرية الجمعيات توضّح عبر الاجتهادات الغزيرة في هذا المجال من قبل المرافعات الدولية التي تقوم بها الهيئة الدولية لحرية الاجتماع (النقابي) والتي تتأتّّـى من منظمة العمل الدولية، إضافة إلى المحكمة الأوروبية لقانونوق الفرد التي أصدرت عدّة قرارات مهمة تختص بموضوع مطابقة التشريعات الأوروبية[٨] مع حرية الجمعيات المنصوص عليها في المادة ١١ من المعاهدة الأوروبية لقانونوق الفرد والحريات الأساسية في ٤ تشرين الثاني ١٩٥٠[٩]. ولهذا الاجتهاد الأوروبي أهمية كبيرة لأنه يعتمد، كأساسٍ، نصاً مماثلاً في صيغتة للمادة ٢٢ من الميثاق الدولي الأول. لذا، فإننا نستطيع اليوم، ضمن أطر القانون اللبناني والعربي، أن نعرِّف مساحة حرية الجمعيات: والتي تعتبر حرية فردية وجماعية في آن.
 
-         فردية: قانونوق الأفراد في تأسيس جمعيات دون تداخل مع الإرادة والانتساب بحرية إلى جمعيات من اختياره دون أن يُجبر على الانسحاب منها.
-         جماعية: من ناحية أن للجمعية شخصية معنوية، ويمكنها أن تدير رأسمالها وتنفذ مشاريعها دون تدخل غير مشروع من قبل الإدارة والأشخاص الثالثين ( الدخلاء).
 
هذا القانون يشمل حرية التأسيس و إدارة الجمعية وحلها. سوف نعود بالتفصيل إلى محتوى أو مضمون حرية الجمعيات في دراسة الفصل الثاني.
 
٢. حرية الجمعيات مبدأ ذو قيمة دستورية
 
تعلن أكثرية الدساتير العربية بصراحة عن تأييدها لحرية الجمعيات[١٠]، و تعتمد على مراجع مختلفة:
 
·        بعض الدساتير أكثر ليبرالية (لبنان، تونس، الجزائر، والمغرب)، وتعتمد بصراحة المصطلح الشامل لحرية الاجتماع الذي يشمل القانونوق الفردية والجماعية. وبالتالي فإن الترجمة العربية لمجموعة هذه المواد ارتكبت خطأ كبيراً بترجمة "حرية الجمعيات" بـ "حرية التأليف" أو "تأسيس الجمعيات"، وهذه الاخيرة تنبثق من حرية الاجتماع. وثمَّة دساتير أخرى ( مصر، الأردن، فلسطين) ترجع مباشرة إلى صيغة المصطلح المصغرة فتعتمد "حرية تأسيس الجمعيات" بدلاً من " حرية الجمعيات".
 
·        لا يستعمل الدستور السوري مصطلح "حرية الجمعيات" بل ينص على "حرية الاجتماع" و "التظاهر السلمي"، ومن ناحية أخرى، فهو يخصّص، وبشكل مفاجئ عدة مواد تتعلق بتجمعات خاصة، كحزب البعث (مادة ٨) والتنظيمات الشعبية و التنظيمات التعاونية (مادة ٩)، إضافة إلى التنظيمات النقابية الاجتماعية والمهنية (مادة ٤٨) والتنظيمات الشعبية (مادة ٤٩).
 
·        بعض الدساتير تُخضع ممارسة القانون في الجمعيات لاحترام مبادئ سياسية غامضة نوعاً ما، وتجعلها من القيم الدستورية مثل: "النظام الاجتماعي" (مصر)؛ " تأسيس مجتمع عربي اشتراكي وحماية تنظيمه" (سورية).
 
·        كل الدساتير العربية تخضع ممارسة القانون في الجمعيات لقيود منصوص عنها في القانون، وأنَّه وبهذه الاحكام والنصوص التي تشكل ثغرة قانونية كبيرة جداً، تغوص الأنظمة السياسية لتفرض، في غالبية الأحيان، على الجمعيات ضغوطات قانونية، خارقةً بذلك مبدأ الحرية.
 
·        إنه لمن المهم معرفة القيمة الدستورية لحرية أساسية لاستنتاج المصلحة العملية في البلدان التي تعتمد مبدأ المراقبة القانونية للدستور. ولكي نتبع المثل الذي لا شك فيه والذي صدر عن قرار للمجلس الدستوري الفرنسي في ١٦ تموز١٩٧١ ويختص بحرية الجمعيات[١١]، فإن هذه السلطة العليا قد بدأت بإعطاء القانون في الجمعيات قيمة دستورية، وذلك قبل أن تعلن عدم مطابقتها للدستور، خاصة وأن مواد القانون تخضع لمراقبتها[١٢].
 
إن المحكمة العليا الدستورية المصرية، وفي واحدة من أهم قراراتها في الأول من تموز سنة ٢٠٠٠، اعتبرت الحرية في الجمعيات من المبادئ الدستورية لتلغي"قانون الجمعيات" المصري رقم ١٥٣ الذي صوّت عليه مجلس النواب المصري سنة ١٩٩٩. فالمحكمة الدستورية العليا، وبعد تبيان الأسباب القضائية الموجبة لأهمية الجمعيات ومكانة حرية الجمعيات في القانون الدولي و القانون المقارن، أعطت للقانون الذي ينص على حرية الجمعيات وصف"النصّ المكمّل للدستور"، معبّرة بذلك بالضرورة عن طرح المشروع على مجلس الشورى قبل إحالته على مجلس النواب. ولكن ما لم يتم العمل عليه هو إلغاء القانون لوجود عيب في الشكل ... ولكنه ما زال عملياً أكثر من إلغائه لوجود عيب في الأساس بسبب خرق مبدأ حرية الجمعيات.
 
 
٣. مصادر قانون الجمعيات: الأنظمة القانونية التي ألهمت التشريعات العربية:
 
أ. الشريعة الإسلامية:
 
ليست مصدراً من مصادر قانون الجمعيات إلا في حالة الأوقاف التي تقترب أكثر من الأنظمة الفرنسية المؤسِّسة، والإنكليزية "للثقة الرحومة". إن القانون الفرنسي هو الذي أثَّر على إنشاء القانون الترابطي: في ظل الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم معظم الدولة العربية، فإن التنظيمات والتشريعات المصدّق عليها بتحريض من السيادات العالمية الأوروبية الكبيرة في بداية القرن العشرين أدخلت في القانون العثماني واقتبست عن القانون الفرنسي سنة ١٩٠١ (العودة إلى الرسم المقارن).
 
إن أثرالقانون الفرنسي ما زال مثبتاً، وقد خفّت حدّته مع الأسف في كثير من الدول العربية حتى في مرحلة لاقانونة لصياغة القوانين الجديدة، وخاصة في بلاد المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس)، والبلد الوحيد الذي حافظ على القانون العثماني لسنة ١٩٠٩ هو لبنان، وذلك كقانون عام للجمعيات، مع تعديلات بسيطة أدخلت عليه في عامي ١٩٢٨ و ١٩٣٢.
 
ب. القانون المصري:
 
منذ العام ١٩٥٢، أصبح القانون المصري المرجع للعديد من الدول العربية في طور النمو، ومنها سورية (خاصة بعد وحدة عام ١٩٥٨ ) إضافة إلى الأردن وفلسطين.
وقد كان لهذا القانون المصري أثر كبير فأصبح مثلاً صارخاً في التعدي على حرية الجمعيات، مع أنه ظلّ مشروعاً لفترة طويلة على الصعيد القانوني وظهر كقانون جزائي للمجتمعات المدنية.
 
ج. خبراء البنك الدولي:
 
يجب أن نشير أخيراً الى الأثر الكبير للخبراء الذين تمت تسميتهم من قبل المصرف الدولي في صياغة قانون جديد لحرية الجمعيات اليمني سنة ٢٠٠١ .
 
 
٤. المحاولات المعاصرة والمحيط الاجتماعي والسياسي لحرية الجمعيات في البلدان العربية:
 
تحليل قانون الجمعيات لا يمكن أن يتقانونق دون وضعه ضمن المحيط الاجتماعي والسياسي لمختلف الدول العربية. ولكنه من المؤكد أنّ التعميم في هذا المجال لا يمكن أن يشمل جميع الأطر، وأن التقييم القانوني أو السياسي لا يكون صحيحاً دون الأخذ بعين الاعتبار كل بلد عربي معنيّ بالموضوع على حدة. إن الميول العامة مطلقة، ويمكن إذن حصر مجموع الدول العربية في إحدى الفئات الكبرى التالية:
 
الفئة الاولى: البلدان التي تسعى لتقانونيق انتقال ديموقراطي نسبي.
 
الفئة الثانية: البلدان التي ما تزال أنظمتها استبدادية ومغلقة. يكفي أن نقرأ تحليل الموضوع في مقدمة الإعلان العربي، وذلك بأن البلدان العربية تتميز بنسب مختلفة من: "غياب الديموقراطية وقانونوق الفرد والحريات الأساسية أو حفظ الأبعاد الأمنية كمبدأ أساسي أقرّ من قبل الحكومات العربية، والتي تبرز فيها القوانين استثنائية، وخصوصاً القوانين التي أنشأت حالة الطوارئ. إلى كل ذلك يضاف ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والتشتت الاجتماعي الذي يتبعه ارتفاع نسبة الاميّة...". إثبات الحالة العامة التي يمكن تفسيرها ( ولكنها غير مشروعة بالتأكيد) بالخوف من الجمعيات، وكأنه أداة لمواجهة السلطة الديموقراطية يمكن أن يتعرّض للنقد ويضع الأنظمة السياسية على نطاق البحث ويضاف إلى ذلك اعتباران وضعتهما العديد من البلدان العربية هما:
 
١.    الجمعيات الإسلامية والخوف من الأصولية المنظمة، التي تعتبر حجّة مستعملة، بدراية أو عن خطأ، من قبل العديد من الأنظمة العربية؛ لتشريع القمع أو تحديد إنشاء الجمعيات أمام الرأي العام المحلي أو العالمي.
 
٢.    جمعيات قانونوق الإنسان التي تشكل في العديد من البلدان العربية البديل المحتمل عن المعارضة السياسية الممنوعة. وتعتبر هذه الجمعيات من قبل الأنظمة السياسية العربية واحداً من الأخطار الأساسية المحدقة بها وعليها مواجهتها.
 
و للإقناع، يكفي أن نتذكر أن المحاضر العربية لوزراء الداخلية (واحدة من أكثر المرافعات نشاطاً وفعالية) تعتبر أنّ التحرّك باتجاه قانونوق الإنسان هو تحرك خطير، ولذا يجب مراقبته عن قرب.
 
إلى هذا الرسم السياسي الاجتماعي يجب أن نضيف ضعف دولة القانون والسلطات المعارضة والديموقراطية والمؤسساتية ( مجلس النواب/ القضاء)، التي تعطي للمجلس التنفيذي وللاعتبارات الأمنية القدرة على التصرّف بحريّة لتحديد حرية الجمعيات، حتى ولو أدّى ذلك إلى خرق القانون.
 
في العديد من الدول العربية التي تمرّ بمرحلة انتقال إلى الديموقراطية، فإن المجهود المبذول لهذه الغاية يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من الناحيتين التشريعية والقانونية لكسب ثقة المجتمع المدني واهتمامه وإعطائه دوراً أكثر فعالية.
 
أ. على المستوى التشريعي:
 
إن القانون في الجمعيات هو في مرحلة تحوّل في العديد من البلدان العربية، و يتساند و يتزامن مع التحولات الديموقراطية بوجه أو بآخر للدول المعنيّة.
 
·        نجا لبنان من محاولتين للتأثير على قانون حرية الجمعيات، في مجال ضيق، وذلك عبر استبدال حرية تأليف الجمعيات ببرنامج حصول على موافقة مسبقة: المحاولة الأولى كانت المرسوم الاشتراعي رقم ١٥٣ سنة ١٩٨٤، الذي ألغي -لحسن الحظ- في سنة ١٩٩٥؛ فيما كانت المحاولة الثانية في سنة ١٩٩٣ حين حضّرت الحكومة مشروع قانون ثم عدلت عنه بسبب الحكم الجريء –دون شك- الذي أصدره القاضي سامي عون رئيس هيئة القضايا والتشريع في وزارة العدل[١٣]، الذي اعتبر أنَّ الأحكام فيها مخالفة لحرية الجمعيات. ولحسن الحظ بقي القانون العثماني مطبَّقاً.
 
·        صوَّتت اليمن وفلسطين على قوانين جديدة للتجمع تعتبر أكثر ليبرالية من تلك التي كانت في حيّز التطبيق. والجدير بالذكر أنّ الرئيس ياسر عرفات رفض دائماً أن ينشر هذا القانون بالرغم من تصويته عليه خلال قراءته الثانية من قبل المجلس الوطني الفلسطيني.
 
·        هنالك مشروع قيد الدرس في المغرب سيخضع قريباً للتصويت من قبل المجلس التشريعي ضمن إطار القوانين التي تخص الحريات العامة. ويعتبر هذا القانون بمثابة تطوير للقانون والإجراءات المعمول بها.
 
·        من جهة أخرى، فإن الأردن في صدد دراسة مشروع قسري سيكون محور مناقشات مبدئية ومادة سهلة للعديد من الانتقادات.
 
ب. على الصعيد القانوني:
 
يجب الإشارة إلى مدى أهمية القضاء ودوره الأساسي في تعريف قانون الجمعيات وحريته، ولا سيَّما لحماية حريات الجمعيات لمواجهة اغتصاب الإدارة والتشريع. إنّ فعالية هذا الدور الخاضع لمساحة واسعة من الاستقلالية والفعالية، والذي كان يجب أن يكون من نصيب القضاء، وهذا ليس هو الواقع في البلاد العربية، وفي جميع الحالات، إلا أنَّ النسب تختلف بين بلد وآخر.
 
ففي لبنان، على سبيل المثال، مجلس شورى الدولة، وفي مرحلة معينة محكمة التمييز، اضطلعا بدور مهم لتصحيح اعوجاج الممارسة الإدارية وتوضيح العلم والخبر[١٤]. وكذلك، وكما أشرنا، فإن الحكم الذي أصدره القاضي سامي عون قام بدور حاسم لإجهاض مشروع القانون المتقهقر. ومع العلم بأنَّ مجلس الشورى تراجع منذ بداية التسعينات كونه لم يحسم عدة مراجعات لتجاوز حدّ السلطة المرتكزة على اغتصاب المبدأ الدستوري وحرية الجمعيات التي نسبت إليه قبل عدة أعوام سابقة[١٥]. فاحتقان مرافعته القضائية لا يمكن أن تبرّر هذا التأخير الذي مس امتناع القاضي عن الحكم.
 
وفي مصر، يجب الإشارة إلى أهمية الحكم الصادر عن المحكمة العليا الدستورية (التي سبق ذكرها آنفاً)، وذلك بعد أن ترددت هذه المحكمة لفترة طويلة في الحكم على مادة القانون في الجمعيات، وكذلك يجب الإشارة إلى استعادة جرأة مجلس شورى الدولة المصري الذي أصدر مؤخراً حكماً مهماً يتعلّق بتأسيس الجمعيات وتثبيت قانونوق الفرد.
 
ج. على صعيد المجتمع المدني:
 
نلاحظ حشد المجتمع المدني لحماية حرية الجمعيات وتحسين القانون المنسوب إليه. لذلك، فقد تم تنظيم تحرّكات عديدة في مصر واليمن بمناسبة المرافعات التي سبقت التصويت من قبل السلطة التشريعية في هذه البلدان، إصدار قوانين جديدة للجمعيات. وفي لبنان تقوم جمعيتنا "جمعية حماية القانونوق والحريات" بحملة منذ سنوات عديدة لحماية حرية الجمعيات والمطالبة باحترام القانون. وكذلك، فإن جهودنا الفقهية المختلفة للتعريف تحتوي مساحة حرية الجمعيات التي يجب أن تكون متطابقة مع مبدأ الحرية. سنذكر على وجه الخصوص مهمة خاضها ١٨ رجل قانون عربياً من ٩ بلدان، أثمرت في ١٠ تموز ١٩٩٩، بعد أعمال دامت سنتين على المبادرة لجمعية الدفاع عن القانونوق والحريات، إعلان المبادئ والقواعد المتعلّقة بحرية الجمعيات في البلدان العربية، ( باختصار، الإعلان العربي وإعلان عمّان). إن هذا الإعلان كان بمثابة إعادة الصياغة لـ ١٧ مادة مسبقة لمقدمة طويلة عن دولة القانون الدولي، والاجتهاد المقارن ويختص بحرية الجمعيات. ونحن سنعتمد هذا الإعلان لكي نقانونق التقييم للتشريع اللبناني والدول العربية المعينة في محاضرتنا.
 
 
القسم الثاني: تطور قانون الجمعيات في لبنان والبلدان العربية
 
تقييم أولي:
 
يجب التنبه في بادئ الأمر إلى أنَّ تقييم القانون في الجمعيات في لبنان كما في الدول العربية يجب أن لا يأخذ بعين الاعتبار النص القانوني فحسب، بل أيضاً الممارسة الإدراية التي تعتبر حصرية، أحياناً، سواء في خرق القانون (مثلاً في لبنان في ما يتعلق بتأسيس الجمعيات)، وأحياناً في حالات نادرة أكثر ليبرالية في القانون نفسه (مثلاً في لبنان في ما يتعلق بالقدرة على الجمعيات، وكذلك الأمر في مصر). كما أنَّ كل تقييم يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مستوى المعلومات والتحركات والتطورات في المجتمع المدني في كل من الدول المعنية.
 
يمكننا التأكيد أنَّ كل القوانين في الدول العربية ليست متطابقة مع القواعد والمبادئ المتعلقة بحرية الجمعيات، وذلك حتماً ضمن نسب مختلفة. ويمكننا أن نراقب ضمن هذه القانونوق، أسوأ الأحكام وأسوأ الممارسات التي يمكن تصوُّرها، في بعض الأوضاع النادرة والأفضل حلاً. ومن أجل ضرورات هذا البحث يمكن أن ننظّم القانونوق في الجمعياتات بحسب درجة ومساحة خرق مبدأ الحرية، وذلك ضمن الفئات الثلاث التالية:
 
١.    الأنظمة القمعية: من خصائصها إعطاء الجمعياتات مساحة ضيقة من الحريات والتماشي معها إدارياً ومالياً بطريقة قسرية تسمح بوجود وممارسة تجمعات تخدم فقط أهداف النظام السياسي (مثلاً: سورية، العراق، ليبيا).
 
٢.    أنظمة المراقبة: المعروفة بمحدودية الحرية في الجمعيات، سامحةً بوجود الجمعياتات وفارضةً مراقبة إدارية ومالية متقدمة جداً ( مثلاً: مصر، الأردن، تونس).
 
٣.    الأنظمة المتساهلة: وهي تعتمد على معدّل مقبول من الحرية، تاركة القانونل مفتوحاً أمام المراقبة الحرّة لتصل أحياناً إلى القمع الانتقائي ( مثلاً: لبنان، المغرب، الجزائر، اليمن، فلسطين).
 
سنستعرض على مراحل الأنظمة المتساهلة والمراقبة، وسندعم استعراضنا بأمثلة مأخوذة من القانونوق والممارسات في لبنان وفي الدول العربية، بعد أن نكون قد استبقنا ذكر المبدأ الذي سيكون المقياس، مما يعني المبادئ المأخوذة من الإعلان العربي الذي نظمناه ضمن خمسة محاور مناسبة لتدخل القانون في الحياة الجمعياتية:
(١) التأسيس، (٢) الحل، (٣) معرفة الغرض من الجمعيات، (٤) الإدارة، (٥) القدرة والتمويل.
 
١. مراقبة التأسيس، الموافقة المسبقة والعلم والخبر:
 
ان حرية انشاء الجمعياتات هي من أولى القانونوق الأساسية. فهي بالنسبة للتجمعات كالولادة بالنسبة للإنسان، و لهذا السبب تلجأ الأنظمة السياسية إلى مراقبة ولادة الجمعياتات، ومن شك أنَّ هذا الأمر أكثر فعالية وسهولة من مراقبة أنشطتها دون الحرية. يصبح إنشاء الجمعيات اختيارياً واستنسابياً ومخصصاً لأصدقاء النظام، فيصبح بذلك سبباً للتعثُّر السياسي والإداري. لهذا السبب، فإنَّ مبدأ حرية الجمعياتات المطبق أعلاه هو التالي:
 
المادة الرابعة من الإعلان العربي:
إنَّ المبدأ القانوني الأساسي الذي تعتمد عليه حرية الجمعيات هو إنشاؤها دون الحاجة إلى موافقة مسبقة. فالجمعيات أنشئت بإرادة مشتركة بين الأعضاء المؤسسين: والحكم يمكن أن يصدر بطريقة الإعلام المسبق، لكن تأليف الجمعية لا يمكن أن يخضع لأي شكل من التدخل المسبق من قبل السلطة الإدارية أو القانونية.
 
هذا المبدأ شكل تراجعاً أمام القاعدة المنظمة في قرار المجلس الدستوري الفرنسي ١٩٧١ الذي أعلن ما يلي بعد أن جعل من حرية الجمعيات مبدأ دستورياً:
 
استنادا إلى هذا المبدأ (مبدأ الحرية) تؤسس الجمعيات بحرية، ويمكن أن تصبح عامة بشرط إيداع إعلان مسبق، وباستثناء الإجراءات الممكن اتخاذها تجاه الفئات المختلفة من الجمعياتات، فإن إنشاء الجمعيات بالرغم من كونها مهددة بخطر الإلغاء، أو تلك التي تهدف إلى غاية غير مشروعة، لا يمكن أن تخضع لشرعية التدخل المسبق للسلطة الإدارية والقانونية.
 
في مجموع الدول العربية، دون تمييز، كل الجمعياتات يجب أن يُعلن عنها أو أن تحصل على موافقة مسبقة. في هذا الإطار، إنَّ الجمعياتات غير المعلنة ممنوعة، ولها تسميات معينة في عدّة قوانين مثل "المجتمعات السرية" في القانون اللبناني.
 
يبقى موضوع الوسائل المطبقة على إنشاء الجمعياتات. إنَّ أنظمة القانون في الجمعيات في الدول العربية يمكن أن إدراجها تحت مجموعتين: تلك التي تعتمد نظام الإعلان البسيط المطابق لمبدأ الحرية؛ وتلك التي تعتمد نظام الموافقة المسبقة الذي يخرق مبدأ الحرية.
 
مثل على الأنظمة المتساهلة:
 
(حالة القانون اللبناني): بغض النظر عن الممارسة، لا يرنبط تشكيل جمعية القانون العام بالحصول على موافقة مسبقة، ولكن يكفي أن تعطي الجمعية علماً إلى الإدارة المختصة، وذلك عبر إعلان خطى يتضمن عدداً من المعلومات العامة مرفقة بأحكام. وهذا ما تنص عليه القوانين الفرنسية، وهو ما يعرف في لبنان بـ" العلم والخبر"، وهو عبارة عن تسليم الإدارة وثائق ومعلومات عن الجمعية، و ذلك ما يكسبها الشخصية المعنوية، مع ما تتضمنه من نتائج، وذلك من تاريخ تسليم الإعلان الخطي (وليس فور تسليم العلم والخبر، ولا حتى من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية).
 
الإعلان الخطي ليس عريضة أو طلباً، كونه لا يطلب من الإدارة سوى إصدار قرار بإنشاء الجمعية. من هنا، هذا الدور السلبي للإدارة، وهو إحدى الركائز الأساسية للحرية في الجمعيات. فالإدارة لا يمكنها الامتناع عن إعطاء العلم والخبر إلا ضمن ظروف محددة، معدَّدة بالمادة ٣ من القانون، وشرط أن يرفق هذا الرفض مرسوم الإسقاط الصادر عن مجلس الوزراء.
 
غير أن في لبنان مجموع ما تنص عليه القوانين ليس محترماً من قبل الإدارة، بخاصة من وزير الداخلية الذي يقوم بأعمال أخرى، بهدف الخرق السهل لنصوص القانون الواضحة، محولاً بذلك نظام الإعلان إلى نظام حصول على موافقة مسبقة، مدرجاً بذلك النظام القانوني اللبناني في مجموعة الأنظمة الرقابية أو حتى الأنظمة القمعية. وصف هذا الأخير، المطبق في مصر مثلاً، يناسب التطبيق النظامي وغير الشرعي لوزير الداخلية في لبنان.
 
الجمعياتات المشكلة بسبب غير مشروع المخالفة للقانون، المخالفة للعادات الحسنة أو تغيير الشكل الحالي للحكومة، أو الفصل عن الدولة من الناحية السياسية لمختلف جنسيات الإمبراطورية. فالعلم والخبر والجمعياتات تسقط بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء. غير أنه، يجب لفت النظر إلى أنَّ قانون سنة ١٩٠٩ لا يطبَّق إلا على عدد صغير (ولكنه دائماً مهم) من الجمعياتات وهي الجهات السياسية. وهذه الأنواع من الجمعياتات خاضعة عبر قوانين مختلفة لنظام الموافقة المسبقة: الجمعياتات الخارجية، النقابات، الجمعياتات الشبابية والرياضية، المنظمات والصناديق المتبادلة.
 
إنَّ قراراً صادراً عن مجلس الوزراء (ولكنه لم ينشر، ويعتبر إذن غير موجود، ولا يمكن الاعتماد عليه) أخضع إنشاء الجهات السياسية والجمعياتات السياسية إلى موافقة مسبقة تعطى بمرسوم من مجلس الوزراء!!!
 
لا تجدي الإشارة إلى عدم شرعية هذه التدابير، مما يؤدي إلى إدراج النظام القانوني اللبناني في إطار أنظمة المراقبة. (مصر- معظم البلدان العربية والممارسات الإدارية اللبنانية).
 
تشكيل الجمعياتات خاضع للموافقة المسبقة وللإدارة إعطاء الرخصة.
 
طلبات تشكيل الجمعياتات، ليست مقبولة أو محفوظة في الإدارات.
 
هناك عدة طرق مراقبة متبعة على شخصية الأعضاء المؤسسين لها على الغرض الذي تهدف إليه الجمعياتات، يقوم بهذه الطرق الرقابية الأعضاء الإداريون كما رجال الشرطة. وهذا لا يناسب دولة القانون أو حتى الممارسات اللبنانية.
 
ولحل هذه العثرات أدخلت على الممارسات الملطفات التالية:
 
عندما تخترق القواعد القانونية مبدأ الحرية، تلجأ الممارسات إلى إنشاء مجتمعات مدنية وليس تجمعات، رغم المشاكل المادية التي ترافق ذلك (مصر، الأردن، لبنان). يكفي للاقتناع أن القاعدة القانونية المصرية الجديدة الخاصة بالجمعياتات (التي تم إلغاؤها من قبل الدستورية العليا) منعت بشكل خاص هذا النوع من المجتمعات السابق للجمعيات.
 
عندما تخرق الممارسات الإدارية قواعد المعلومات إلى الإدارة المختصة حيث القضية الخطية تعطي الدليل على استلام النصوص الصادرة عن القانون، وهذا ما يبعد بشكل منطقي خطر إنشاء تجمعات توصف بالسرية.
 
ويجب التمييز بين الجمعياتات السرية المنصوص عنها في قانون ١٩٥٩ ( التي لا تحمل من المفاعيل إلا حلَّ الجمعياتات التي تفرض غرامة على المؤسسين أو الإداريين). وتعريف الجمعياتات السرية المنصوص عليها في المادة ٣٣٧ في القانون الجزائي كما يلي: "تعتبر تجمعات سرية كل من الجمعياتات، كل تكتل يشكل ويعرف معاكساً للقانون والذي يمارس عمله ولو حتى جزئياً بطريقة سرية. تعتبر كذلك مجتمعات سرية كل من الجمعياتات والتكتلات التي يعتمد هدفها غير مشروع، أي التي لم تعلم للسلطة بوجودها، بتشكيلة أعضائها والمراكز التي يشغلونها، الهدف من إجتماعهم، وضعية حاجاتهم وإيرادات مصادرهم وإذا أعلنوا عن إرشادات خاطئة أو ناقصة في هذه المواضيع.
 
في بعض القوانين التي تعتمد إنشاء الجمعياتات عبر الموافقة المسبقة، يجب التفتيش عن مستوى معين من المساواة، حيث إن هناك بعض النصوص أدخلت للحد من تعسف الإدارة أو سرية عملها. لذلك، فإنَّ بعض التشريعات تظهر إلزامية تبرير الرفض أو مهل للإجابة، وسكوت الإدارة يساوي إقرارها (موافقتها) بأن تعطي المحاكم إذاً القانون بالاستئناف. ولكن في البلدان حيث لا تكون استقلالية القاضي بالنسبة إلى السلطة التنفيذية مضمونة، ليس من المؤكد نجاح هذه الجمعيات.
 
١. مراقبة التراجع للتجمعات المرفقة بعقوبات جزائية قاسية لاختراقها القانون
 
تشكِّل محاولة إلغاء الجمعياتات أهمية كبيرة بالنسبة إليها نفسها؛ إذ عندما تكون محاولة الإلغاء تكون صادرة عن الإدارة، أو عن القضاء في وقت لا تكون استقلالية هذا الأخير غير مضمونة، يتحول الإسقاط إلى أداة ترهيب لإبقاء الجمعية في الحياة القانونية في الأنظمة السياسية، بدل السقوط أحياناً، حين تدعو الحاجة، والقوات اللبنانية، أو حالياً في مصر، للوسط المسيَّر من "سعد الدين إبراهيم" وتجمعات مختلفة لهذا السبب، مبدأ الحرية في الجمعيات المطبق هو التالي:
 
المادة ١٦ من الإعلان العربي:
"يجب أن يطبَّق مبدأ النسبية بين الجرم والعقاب. يجب ألا يخضع نشاط الجمعياتات والأعضاء المدني للعقوبة الجزائية، في جميع الحالات، إلا من السلطة القضائية، بعد أن تكون قد ضمنت حرية الدفاع عن النفس في إطار قضية عامة وعادلة".
 
المبدأن هو أنَّ الإدارات العامة لا يقانون لها أن تعلن حلَّ الجمعياتات، فالحل يجب أن يصدر بقرار عن النظام المختص بالجمعية أو عن حكم نهائي يصدر عن السلطة القضائية، بعد أن تكون الجمعية قد استفادت من قانون الدفاع في قضية عامة وعادلة أو في الحالات المعلنة في القانون بصراحة وبالتحديد الأنظمة المتساهلة.
 
إن الحالات التي يمكن من خلالها حل الجمعيات محدد حصراً في القانون، سواء أكانت السلطات التي يمكنها اتخاذ القرار هي: ١) الأعضاء أنفسهم، طوعياً أو وفقاً للنظام التأسيسي؛ ٢) المحاكم؛ ٣) مجلس الوزراء.
 
أما الحالات التي تسمح بحل الجمعياتات، والمحددة حصراً في القانون اللبناني، فهي الحالات التي تسمح بالحل الإداري وهي محددة حصراً:
 
-         إذا كان الغرض من الجمعياتات "غير شرعي، مخالف للقانون، مخالف للآداب العامة، أو يهدف إلى المس بالنظام العام أو الانصهار الوطني، تغيير شكل الحكومة الحالي، أو الانفصال عن الدولة".
-         ومن ناحية أخرى، فإذا لم تعط الجمعية الإعلان الخطي للإدارة المختصة، يمكن أن يتحول تصنيفها إلى "جمعية سرية" (المادة ١٢ من قانون ١٩٠٩).
-         إذا ارتكب مؤيدو حزب سياسي معين، وبصفتهم مؤيدين، جرائم تمس أمن الدولة، وذلك بعد صدور الحكم النهائي (الفقرة الأولى من القانون الصادر عبر مرسوم اشتراعي رقم ١٠٨٣ ٩  كانون ١٩٦٢).
-         إذا صنفت جمعية بسرية، تطبيقاً للمادتين ٣٣٧ و٣٣٨ من القانون الجزائي.
 
 
إن التعرض للملاقانونة الجزائية في الحالات المنصوص عنها في المادة ٣٣٧  لجنحة الجمعية السرية، التي يجب أن تميز عن التعريف " السري" المنصوص عليه في قانون سنة ١٩٠٩، والتي يمكن في حال مخالفتها حل الجمعية وتغريم مؤسسيها أو إدارييها. ان الجنحة الجزائية للجمعية السرية معرف عنها في المادة ٣٣٧ من القانون الجزائي كما يلي:
 
"تعتبر تجمعات سرية كل الجمعيات والتكتلات التي تشكل بأهدافها أو نشاطاتها خرقاً للقانون وتمارس نشاطاً سرياً حتى ولو كان بشكل جزئي.
 
وتعتبر أيضاً تكتلات سرية الجمعيات نفسها والتكتلات التي تعتبر أهدافها غير مشروعة، والتي لم تعلم السلطات بعد تأسيس هيئاتها عن لائحة الأعضاء المنتسبين إليها أو المهمات التي يقومون بها، أهداف اجتماعاتهم، الوضع المالي ومصادر التمويل أو الجمعيات التي تعطي في هذا المجال معلومات خاطئة أو غير مكتملة".
 
ويلحظ القانون عقوبات مختلفة، كالغرامة المالية التي يمكن تطبيقها على حالات خرق أحد مواد قانون ١٩٠٩ (المادتان ١٢ و١٣)، أو إذا لم تعلم الجمعية وزير الداخلية بلائحة أعضائها ورأسمالها.
 
إن عقوبة عدم حجية الأشخاص الثالثين، تؤثر على الأحكام الصادرة عن هيئة الجمعية وغير المعلن عنها من قبل الإدارة والتي تخص: تغيير الأحكام، تشكيل مجلس الإدارة ومقر إقامة الأعضاء. هنا أيضاً، فإن الأرض خصبة أمام طروحات قانونية عديدة من قبل الإدارة. وسنتلو عليكم بعض أكثر الأمثلة خطورة:
 
-         قرارات بحل بعض الجمعيات اتخذت بقرار من وزير الداخلية وتستعمل مصطلحاً غريباً هو "سحب العلم والخبر".
-         تعميم من وزير الداخلية (رقم ١٤/٤ في ٦ كانون الثاني ١٩٩٦) يحذر الجمعيات من خطر الحل الذي تتعرض له (وهو سحب العلم والخبر) إذا لم تحترم الموجبات المحددة التي لم ينص عنها القانون.
-         مراسيم حل اتخذت من قبل مجلس الوزراء في حالات لا تنص عليها القوانين، وأغرب ما يمكن ذكره في هذا المجال المرسوم رقم ٢٢٣١ سياسي، الذي يعتمد في بنوده خرقاً للمادة ١٦ من المرسوم الاشتراعي ١٥٣ الذي كان ألغاه مجلس النواب.
-         ثم حل جمعيات في حالات غير منصوص عنها في القانون كونها لم تقوم بأي نشاط منذ تأسيسها، أو بسبب أنها لم تعلم وزارة الداخلية عن نشاطاتها أو بسبب أنها قامت بنشاطات لم تذكرها في بيان تأسيسها.
 
ومؤخراً، وبسبب الملاقانونة التي كان ضحيتَها مؤيدو القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، عُلِّلت الملاقانونات والتوقيفات للعامة بعد قراءة للقانون الجزائي، تظهر شروط قانونية للملاقانونة غابت في القضية المذكورة. وإذا تحولنا من دراسة القانون اللبناني إلى أنظمة البلدان العربية التي تدخل ضمن إطار أنظمة المراقبة، نتذكر فوراً المثل الشائع: "الأعور ملك بين العميان".
 
٢. أنظمة المراقبة:
 
تعطي هذه الأنظمة الإدارة العامة سلطات استنسابية وقانونوقاً غير مألوفة. والوضع يتجلى بالسماح للإدارة بحل الجمعيات، وهذه الحالات واسعة، ويمكن أن تحدد أي خرق حتى وإن كان رؤوفاً مع القانون أو الهيئات الخاصة بالجمعيات.
 
إن الملاقانونة الجزائية لأعضائها ولإدارتها كثيرة، وفي غالب الأحيان متفاوتة وخالية من أي مقياس مشترك مع الجرم الجزائي. يمكننا أن نأخذ، على سبيل المثال، حالة القانون المصري التي تعتبر الجرم الجزائي الحالات التي سوف نذكرها وتخصيصها بعقوبة الحبس لمدة ٦ أشهر إضافة إلى الغرامة المالية المعروضة على الإداريين ومؤسسي الجمعيات: إن البدء بممارسة أي نشاط قبل الحصول على موافقة مسبقة، وإشراك الأشخاص الثالثين في اجتماعات الجمعية، وجمع الأموال قبل الحصول على موافقة مسبقة من الإدارة.
 
في حالات الخرق مهما كانت طبيعتها، خرق القانون أو الهيئات، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية يمكن أن تتخذ الإجراءات التالية:
 
-         تسمية إدراية ومجلس إداري لمدة معينة من الوزارة.
-         إن الأشخاص المسؤولين عن جرم يمكن أن يمنعوا من الترشح الى الإنتخابات.
-         إن مباني الجمعيات مغلقة لمدة معينة من الوزارة حتى تتمكن هذه الأخيرة من: إما تسمية الإداريين لإدماج الجمعية ضمن جمعيات أخرى أو حلها. في حالة حل الجمعية فإن الإدارة تضع يدها على أموال الجمعية وتحيلها إلى تنظيمات اجتماعية تختارها.
-         يقانون للجمعية من حيث المبدأ أن تلجأ للمحاكم. ولكن في معظم الأحيان، فإن هذا القانون يبقى نظرياً لأن مجموعة الوثائق التي يمكن أن تقدمها الجمعية للدفاع عن نفسها من اتهام خرق القوانين لا يمكن أن تدخل في سلك القضاء، أو تحت الحراسة القضائية أو بين أيدي الوزارة.
 
٣. مراقبة الأنشطة: تجزيء التشريعات التي تعرض إطار الأنشطة المسموحة
 
من الملائم أن يصدر المشرع قوانين مختلفة لفئات مختلفة للجمعيات، وذلك من أجل أسباب إدارية أو مالية. وبذلك فإن تجزئة التشريعات لفئات مختلفة من الجمعيات هي على قدر كبير من الخطورة عندما تكون الوجه الآخر لمراقبة حرية التأسيس وحرية الإدارة. ولذلك، فإن مبدأ حرية الجمعيات المطبق في هذه المسألة هو التالي:
 
الإعلان العربي، المادة الخامسة:
"من أهداف الجمعيات، وهيأتها وهويتها ووثائق الإثبات أو عدد المؤسسين، مهما كانت مجالات الأنشطة التي تقوم بها هذه الجمعيات أو فئاتها لا تستطيع أن تشكل حجة كافية لتأسيسها مهما كانت الأسباب أو العوائق.
 
إن السياسات التشريعية المتبعة في غالبية الدول العربية، وأحياناً ضمن إطار الدستور (مثلاً في الجزائر أو سورية) جاءت لتنص قوانين مختلفة مطبقة على أنواع مختلفة من الجمعيات (منظمة بحسب أهدافها) وليس لأسباب تنظيمية أو مالية واضحة، وذلك لتحسين مراقبة المجتمعات المدنية في مختلف ميادين الأنشطة الخطيرة وخاصة السياسية منها.
 
إن هذا النظام التجزيئي المطبق بشكل خاص في قانون الدولة، كما هو الحال في لبنان وتونس والمغرب يعرف النظام المزدوج بخصوص تأليف الجمعيات ويخضعه لنظام الحصول على الموافقة المسبقة لبعض الجمعيات ونظام الإعلام البسيط لجمعيات أخرى.
 
ان هذا الأمر يسمح أيضاً بالتعامل أو إشباع حاجات الجمعيات المختلفة، التي تعتبر نشاطاتها ضمن النشاطات الحميدة (جمعيات الخدمات الاجتماعية) وجمعيات أخرى تعتبر أنها تشكل خطراً كالأحزاب السياسية والجمعيات المعتبرة سياسية وجمعيات قانونوق الإنسان.
 
إضافة الى ذلك فإن بعض القانونوق تخضع الجمعيات لرقابة إدارية من قبل وارة الرقابة أو الوصاية، التي تحدد أحكامها القوانين المختلفة.
 
أن تقيم هذا القانون في الجمعيات في البلدان العربية يعتمد شكل العدد المحصور أو العام الذي تحدده القوانين المختلفة التي تحكم هذه الجمعيات والأهداف الأساسية للتجزئة.
 
كذلك، فإن بعض القوانين (كالقانون التونسي) أو بعض الممارسات (كما في لبنان) تحاول أن تضيع نشاط الجمعيات لتصبح على نوع واحد من النشاطات وليس على أنواع مختلفة.
 
إن كل نشاط يخالف ما هو "مسموح به" يعتبر خرقاً للقانون، وإن هذه الممارسات تخرق بالطبع مبدأ حرية الجمعيات؛ أما في لبنان فهي تخرق القانون.
في مصر، على سبيل المثال، على الجمعية أن تختار نطاقاً واحداً من الاثني عشر نشاطاً التي عُدِّدت حصراً في القانون. ويمنع كل نشاط ذي طابع سياسي، وعلى الجمعية الحصول على موافقة استثنائية من وزارة الشؤون الاجتماعية لتطوير التحرك متعدد الأنماط. وكذلك، فإن نطاق النشاط الجغرافي محدود لحاكمية التسجيل في الجمعية. كما ينبغي الحصول على موافقة إدارية خاصة لتوسيع نطاق نشاطها الجغرافي.
 
أما أنواع الجمعيات التي تطبق عليها القوانين المختلفة فهي التالية:
 
-         جمعيات القانون العام، التي تسمى بشكل عام جمعيات الخدمات الاجتماعية
-         الجمعيات الخارجية
-         النقابات
-         جمعيات من نوع آخر (مثلاً: جمعية الشباب والرياضة، التعاونيات، الصناديق المشتركة) كما هو الحال في الأردن وفي تونس.
-         الجمعيات السياسية والأحزاب (باستثناء القانون اللبناني بالرغم من أنَّ الممارسات مخالفة).
 
والسؤال يبقى بالتأكيد التعريف المستحيل للسياسة في المجال القانوني؛ مما يترك المجال مفتوحاً لأسوأ الممارسات التعسفية التي تغذى سياسياً.
 
٤. المراقبة الإدارية:
 
الجمعية هي أساساً عقد، وطريقة عملها يجب أن تحدد من قبل أعضائها. و كل تدخل من قبل الإدارة يستهدف أعضاءها لا يسمح بظهور مجتمع مدني مستقل. ولكن الخطورة في هذا الأمر إنشاء مجموعة من المنظمات التي تقترب شكل أو بآخر من الإدارة، وذلك بواسطة حصرية النشاطات الاجتماعية وكذلك السياسية ولامركزيتها.
 
ولكنه من المعروف أنَّ الجمعيات لا تضع جميع القواعد والشروط اللازمة للديموقراطية الداخلية وللشفافية والنزاهة. والتدخل المباشر من قبل الإدارة التي لا تكون أحياناً لخدمة مصلحة إدارة الديموقراطية داخل الجمعية نفسها، لا يمكن أن يتماشى مع القانون وقد طرحت عدة اقتراحات تصحيحية تهدف إلى احترام مبدأ الحرية. لذلك، فإنَّ مبدأ الحرية في الجمعيات المطبق يمكن أن نستخلصه من المواد التالي ذكرها:
 
-         المادة الثامنة من الإعلان العربي: إن الأعضاء المؤسسين يتمتعون بالقانون بتأسيس هيئاتهم لكل حرية وبعيداً عن التدخل. إن السلطة الإدارية يمكنها أن تقدم اقتراحات انتقائية كهيئات، لكي تساعد الأعضاء المؤسسين في المرحلة التأسيسية.
 
-         المادة التاسعة من الإعلان العربي: إن للجمعيات القانون بتغيير هيئاتها بكل حرية، وكذلك تغيير أهدافها ونطاق نشاطها، في أي وقت وبتطابق مع الهيئات، وتماشياً مع الأحوال المرعية الإجراء عند التأسيس، وذلك دون أي تدخل من قبل السلطة الإدارية.
 
-         المادة العاشرة من الإعلان العربي: إن ادارة الجمعية تعود للتنظيمات المنصوص عنها في تشكيل الهيئة المؤسسة والقرارات. إن الإدارة العامة لا يمكن أن تتدخل في اجتماعات الجمعية أو انتخاباتها أو نشاطاتها، كما لا يمكن لها التأثير عليها بأي شكل من الأشكال.
 
الأنظمة المتساهلة:
القانون اللبناني بشكل عام يتطابق مع مجموعة المبادىء التي سبق لنا ذكرها. وإنَّ الممارسات الإدارية في لبنان شهدت بعض التدخلات في شؤون الكثير من الجمعيات اللبنانية، وذلك بسبب وجود كم كبير من الجمعيات والنقص في النظام الإداري العام في هذه الجمعيات، مما انعكس على جدية إدارة الجمعيات وجعلها سمة خاصة في لبنان. وقد شهدت الممارسة الإدارية مراحل تستقانون الذكر في خرق القوانين، وعلينا أن نلحظها باختصار:
 
-         إن وزير الداخلية حول الصيغ التي وصفها هي صيغ شبه جبرية، وذلك دون أن تجرى مراقبتها دستورياً أو إدارياً.
-         التعاميم التي أصدرتها وزارة الداخلية في كانون الثاني ١٩٩٦ أجبرت الجمعيات، وذلك خارجاً عن كل غطاء موجب قانوني، إشراف الوزراء عن طريق ممثل في انتخابات الأعضاء المديرين.
-         إن الإدارة العامة لا تتدخل إلا قليلاً مباشرة في شؤون الجمعيات إذا لم نقل بعد التدخل أبداً. هناك استثناء، يجب أن نلحظه في هذا المجال، تسمية أعضاء المديرين في الصليب الأحمر اللبناني، وذلك بواسطة ثلاثة مراسيم متتالية أصدرها مجلس الوزراء منذ العام ١٩٩٢، وقد خرق بذلك قانون تأسيس الهيئات المنظمة للجمعيات.
 
أنظمة المراقبة:
إن معظم البلدان العربية تتبع هذه الأنظمة، فالجمعيات لا تتمتع بحرية تأسيس هيئاتها الخاصة، ولكنها مخيرة بأن تتماشى مع قرار الوزارة المختصة في هذا المجال. وإن كل تعديل أو تغيير في تنظيم الجمعية يجب أن تصدق عليه الإدارة. إن الإدارة تتدخل أيضاً في تنظيم الاجتماعات، فوجود مندوب هو شرط أساسي لقانونية الاجتماع. إن بعض القوانين (كما في سورية) تتدخل أيضاً في تنظيم النشاطات، التي يجب أيضاً أن تصدق من قبل الإدارة. إن سفر أي عضو من أعضاء الجمعية إلى خارج البلاد للمشاركة في أي نشاط تجمعي يجب أن تتم الموافقة عليه.
 
مراقبة التمويل:
إن الوسيلة الأخيرة لمراقبة الجمعيات تبقى أولاً وأخيراً قدرتها القانونية والنظام التمويلي الذي تعتمده الخطورة التي تهدد الجمعيات تتجلى في أن القانون لا يعطيها حاجة واسعة من حرية التمويل سواء أكانت من المصادر المحلية أو العالمية، والتي تحافظ على فعالية نشاطاتها ضمن إطار ضيق لمجموعة صغيرة من المتطوعين الذين لا يتمتعون سوى بوسائل ضيقة للتحرك. ولذلك، فإن مبدأ الحرية في الجمعيات في هذا المجال هو التالي:
 
المادة ١٣ من الإعلان العربي:
"إن الجمعيات لها القانون في تطوير مصادرها التمويلية بما فيها: الحصص والهبات المزودة من قبل الأعضاء، التبرعات، الهبات والمساعدات المزودة من قبل كل شخصية معنوية أو أفراده محلية أو خارجية، كذلك القانون في تنظيم النشاطات بهدف استرداد الفوائد التي دفعت في إطار النشاطات شرط أن لا تكون قد وزعت على الأعضاء.
 
الأنظمة المتساهلة:
ضمن إطار حرية تطوير المصادر التمويلية، فإن القانون اللبناني يظهر القانون الأكثر ليبرالية من القوانين العربية الأخرى، وذلك يظهر من خلال الممارسات وكذلك من خلال قانون سنة ١٩٠٩. إن القانون اللبناني ورث من القانون الفرنسي لسنة ١٩٠١ التمييز نفسه على صعيد القدرة القانونية بيناللجمعيات المعلنة والأخرى المعترف بها والفئة الثانية (جمعيات المنفعة العامة) تتمتع بقدره أوسع، ولكنها ما تزال ضيقة نوعاً ما نسبة للأفراد أو المجتمعات الاقتصادية.
 
يجب أن نذكر هنا القانون الفرنسي الذي أدخل هذا التقسيم عبر تطوير التفسير أو الإطار، وذلك بسبب الخوف من تطوير أملاك الأوقاف. وإنَّ الجمعيات اللبنانية للخدمة العامة تكتسب منذ صدور المرسوم الاشتراعي لسنة ١٩٧٧ لنظام تمويلي مناسب (أكثر من فرنسا).
 
بمعزل عن القدرة في اكتساب أموال غير منقولة وهبات بالوصية، فإن قدرة جمعيات القانون العام في لبنان لا يشكل أي مشكلة. وفي لبنان، لا نرى أي تحديد للتمويل الخارجي.
أنظمة المراقبة:
الوضع في مصر: تمويل الجمعيات مهما كان إطار نشاطها تقع تحت مراقبة وزارة الشؤون الاجتماعية. وإن كل تمويل خارجي لا يمكن أن يتم إلا بالحصول على موافقة مسبقه من الإدارة. لذلك، فإن الصمت لمدة ٦٠ يوماً يعني الرفض.
 
إن الموافقة المسبقة من قبل الإدارة ضرورية من أجل تحصيل الديون، مهما كان شكل هذا التحصيل (من الأشخاص أو تنظيمات البيع والإحسان، أو الجمعيات المسرحية أو جمعية النشاطات الرياضية، إلخ...)، باستثناء ما إذا كان هذا التحصيل داخل حرم الجامع. إنَّ كل مخالفة تترافق بعقوبة تصل إلى ٦ أشهر حبس إضافة إلى غرامة مالية.
 
الخلاصة:
 
نلاحظ بشكل واضح بعد هذه الدراسة النطاق الواسع للخطر إذا لم نقل الكارثة الآتية بسبب القانون المعيب للجمعيات في البلدان العربية، وذلك عبر خرق مبدأ حرية الجمعيات. إن كل محاولة للتطوير في هذه البلدان لتقانونيق نطاق أوسع من الديموقراطية من احترام دولة القانون وتطويرها المستمر الذي يجب أن يمر بشكل أساسي بمرحلة تطوير القانون في الجمعيات والحريات التابعة له. لذلك، فإن هذه المهمة طارئة، ويمكن انتقادها في مختلف هذه الدول.
 
وللوصول إلى هذه الأهداف، فإن جهود الإعلام العام يجب أن تتضاعف، خصوصاً جهود رجال القانون بما يخص طبيعة جدية الجمعيات ونطاقها، إضافة إلى المبادىء والقواعد التي يجب أن تؤكد على القانون في الجمعيات ولا يمكن أن تجد عدواً أسوأ من اللامبالاة.
 
يلاحظ "موريس هويو" ما يلي:" إن المجازفة القانونيقية في الجمعيات تكمن في الأحوال والثروات، فيما نصنفه في إطار الأوقاف. وهذا الأمر تحتاط له الدولة باستدراك هذا التراكم إما بعدم القدرة على التملك، وإما باصدار قوانين مالية خادعة". وكتب "بوتيي" أيضاً: "إن المواريث التي تقع بين أيديهم ماتت من أجل التجارة".
 
في لبنان شعرنا بالحاجة إلى الدفاع عن حرية الجمعيات منذ عام ١٩٩٠. فجمعية حماية القانونوق والحريات تقوم منذ سنوات بجهود ضخمة في هذا المجال، وقد أثمرت في شباط ١٩٩٩ تنظيم مؤتمر عن حرية الجمعيات في لبنان. وقد نشر موضوع هذا المؤتمر الذي ساهم في تطوير التوصيات التي شكلت تعميم النشاط لتطوير دولة القانون والجمعيات.
 
إن التحرك لتطبيق هذه التوصيات يجب أن يكون مشتركاً لإدراج المرافعات العامة والخاصة في التطبيق السليم لقانون سنة ١٩٠٩، وذلك بالحوار الذي نتمناه مفتوحاً وإيجابياً.
 
ويجب كذلك تطوير الاقتراحات العملية ضمن إطار كل من الدول العريقة التي يجب أن تقام فيها نشاطات هادفة متطابقة مع محيط ومتطلبات كل دولة. فبعض الدول تعاني أكثر من غيرها أو تتمتع بقدرة أوسع لرؤية مجهود التطور للتوصل إلى نتائج، بغض النظر عن أهميتها. إن الدول المهددة بالخطر في هذا المجال هي مصر وتونس والأردن.
 
إن النشاط أو الحركة التي نهدف إليها هي تمرين ذهني قانوني محض، ولكنه يتبين أهمية القانون كوسيلة تطور ديموقراطي واجتماعي، وليس فقط على مستوى أداه قمع بيد الأنظمة السياسية.
 
 
 
 
 


[١]مراجعة الفقرة الأولى"أ" من مقدمة الإعلان العربي التي تنص على أنه: "بعد القيام بالدور الرئيسي للجمعيات، بالتكامل مع الإدارات في الدول و فيمختلف السلطات، في عدة مجالات و خاصة التطور والتقدم الإنساني المتواصل، تطوير أهمية المواطن في العلاقات العامة.
[٢] .......
[٣] إن مصطلح " الجمعيات"، المستعمل في هذه المحاضرة و في الإعلان العربي، يعني المؤسسة المعروفة كما هي في أعراف القانون المدني؛ و تدخل ضمنها جمعيات الأشخاص الذين يتعاضدون بهدف مغاير لتقسيم الأرباح. ومهما كان هدف هذه الجمعية فإنَّ النوادي والاحزاب والنقابات والتعاونيات وغيرها تدخل في نطاقه.
[٤]في ما يتعلق بالمبادرة تُرجى مراجعة البريد الإكتروني www.arabiafa.org و الرجوع إلى نص إعلان المبادئ و القواعد التابعة لحرية الجمعيات في البلدان العربية (الإعلان العربي).
[٥] بهذا الخصوص يؤكِّد "ألكسي توكفيل": " في البلدان الديموقراطية، إن (علوم) الاجتماع هي المعلّم الأساسي، وهي أساس تطور كلّ العلوم الأخرى التي تعتمد على تطور علم الاجتماع". من بين القوانين التي تحكم المجتمعات الانسانية، قانون يعتبر الأكثر وضوحاً والأكثر دقة بين جميع القوانين الأخرى. لكي يبقى الأفراد في إطار التحضّر، و لكي يخطوا خطوات في اتجاه الحضارة يجب أن يتطور في ما بينهم الاجتماع".
[٦] المادة ٢٢ من الميثاق الأول:
الفقرة الأولى:" لكل شخص القانون في الجمعيات بحرية مع الآخرين، ويدخل ضمنه قانون تشكيل النقابات والالتحاق بها من أجل حماية المصالح".
الفقرة الثانية: إن ممارسة هذا القانون لن يكون سوى الوسيلة الوحيدة ضمن القيود القانونية والأساسية في المجتمعات الديموقراطية، من أجل مصلحة الأمنين الوطني والعام والنظام العام، و من أجل حماية الصحة والأخلاق العامة؛ أو قانونوق حريات الآخرين. إن هذه المادة لا تمنع وضع قيود قانونية لممارسة هذا القانون من قبل القوات المسلّحة أو الجيش".
الفقرة الثالثة: لا يمكن لأي حكم من أحكام هذه المادة أن يسمع للدول الأعضاء في معاهدة ١٩٤٨ "الجمعيات العالمي للعمل" والتي تخصّ حرية تأسيس النقابات و حماية قانون تأسيسها واتخاذ الإجراءات التشريعية التي تطبق القانون بشكل يتعدى على الضمانات التي وضعتها هذه المعاهدة.
[٧] يجب التذكير بأن الخوف من الهيئات والامتيازات التي تعطى لها، والتي تشكل تحديداً للحرية الشخصية، و كذلك من الثقة والفلسفة السياسية. كذلك، وفق إيديولوجية روسو، فإن الإرادة الفردية في تأسيس الجمعياتات تشكل عائقاً في تأكيد الإرادة العامة."عندما يكون هناك نوع من التحايل، و جمعيات جزئية تابعة لأخرى كبيرة، فإن إرادة كل واحدة من الجمعيات تصبح عامة لدى أعضائها، و خاصة بالنسبة للدولة: يمكنناالقول إنَّ هناك العديد من الأفراد و ليس العديد من الجمعيات.
[٨]المادة ٨ من دستور ٤ تشرين الثاني ١٨٤٨: لكل مواطن القانون في الاجتماع ... و ممارسة هذه القانونوق لا يجب أن تعيق قانونوق أو حرية الآخر والأمن العام".
[٩]المجلس الدستوري الفرنسي مثلاً: "سيدير و بولوس– يونان"، المحكمة الأوروبية لقانونوق الإنسان (٥٧/١٩٩٧/٨٤١/١٠٤٧)، قرار ٢ ١٠ تموز ١٩٩٨. الهيئة العامة التركية- تركيا، المحكمة الأوروبية لقانونوق الإنسان، ١٤٤/١٩٩٦ /٧٥٢/٩٥١- قرار الفرقة العليا، ٣٠ كانون الثاني ١٩٩٨. حرية ديموقراطية (ŐZDEP)– تركيا.
[١٠]المواد التالية من الدساتير العربية: المادة ٨ و٤١ تونس؛ المادة ٥٥ جمهورية مصر العربية؛ المادة ١٦ فقرة ٢ و ٣ الأردن؛ المادة ١٣ لبنان؛ المادة ٩ المغرب؛ المادة ٥٧ اليمن.
[١١]المجلة الوطنية ١٨ تموز ١٩١٨ صفحة ٧١١٤.
[١٢]باعتبار أنه ومن ضمن المبادئ الأساسية المعترف بها من قبل قوانين الجمهورية والمؤكد عليها رسمياً في مقدمة الدستور، فإنه من اللازم النظر في مبدأ الحرية في الجمعيات كونه من مؤسسي الأحكام العامة لقانون الأول من تموز ١٩٠١ التي تنص على عقود الجمعيات.
[١٣] حكم رقم ٩٤/٦٧٣ في ٢٤ شباط ١٩٩٣ نشر من قبل " الجمعيات في لبنان".
[١٤] على سبيل المثال.
[١٥] نذكر على سبيل المثال: حكم تجاوز حد السلطة صادر سنة ١٩٩٢ بوجه المرسوم الاشتراعي رقم ٢٢٣١ في ١٥ شباط ١٩٩٢، الذي قرّر من خلاله سحب العلم والخبر من ١٣٨ جمعية وحزباً سياسياً تقريباً، ٣ أحكام تجاوز حد السلطة تخص ٣ مراسيم اشتراعية سمَّت أعضاء مديرين للصليب الاحمر اللبناني دخلت حيّز التنفيذ سنة ١٩٩٢، ١٩٩٤، ١٩٩٧. تجاوز حدّ السلطة سنة ١٩٩٦، حكم صادر بوجه تعميم صادر عن وزير الداخلية، تعميم رقم ١٧/٤/٢ في ١٦ كانون الثاني ١٩٩٦، الجدير بالذكر أن تجاوز حدّ السلطة الذي صدر بقانونه حكم في المادة ٢٢ من المرسوم الاشتراعي رقم ٥٧٣٤ في ٢٠/١٠/١٩٩٤ ينظم وزارة الاشغال العامة، حكم عليه بالرّد لانتفاء المصلحة وليس بسبب اغتصاب مبدأ حرية الجمعيات.



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures