Meet Ghassan Moukheiber
Biographical Interviews


Click to share article:

غسان مخيبر في "حديقته" كتب وصور وموسيقى ومشاريع كثيرة - هرب من السياسة أعواماً ثم تصالح معها في النيابة ويعدّ لحكومة ظل

 

كتبت هالة حمصي:

غسان مخيبر يستمتع جداً بطعم النجاح، كأنه عنقود عنب لذيذ. الجلوس وسط العالم. يبدو انه يحبه اكثر ويريد ان يعيشه بالملء. الأمير في امارته. هكذا هو عندما يجلس بين كتبه وصوره وتماثيله وموسيقاه وأوراقه وملفاته. هذه كلها حديقته. بين القانون والسياسة، الذكريات هناك تجد لها مكاناً حميماً تختبىء فيه. يرتاح في تلك البقعة من عالمه، وهي تفتح له كل مكنوناتها.

وريث بيت سياسي، لكنه يحب ان يكون خارج التقليد. حتى ان ميوله من زمان لم تكن تتجه نحو عالم السياسة كاهتمام اولي. القانون والحقوق اختصاصه وحليفاه في المقارعة والحياة. لكن في الـ ٤٧ من العمر، جلس غسان على كرسي السياسة، واختار طريقا جديدا. "الوريث" حقق الحلم، واستمر به الارث.

منذ ولادته، كان غسان يتنشق، رغما عنه، هواء السياسة، الى جانب عمه النائب الراحل البر  ووالديه اميل وعايدة الذين سكنوا في بيت واحد. كان غسان يشعر بان لديه أبوين، وليس أبا واحدا. وبحكم "متوجبات السياسة"، فتح البيت ابوابه أمام "الناس الذين كانوا في منزلنا دائما. الأمر في البداية كان محرجا، لانه كلما اردت التحرك، كان علي المرور في الصالون امام الضيوف، مع ما يتطلبه ذلك من مصافحات". وبحكم تلك المتوجبات ايضا، "لم يكن والدي وعمي لي. واعتدنا الا نكون لانفسنا، انما للناس".

ولم يكن ذلك الواقع مريحاً. "فبقدر ما كان الناس والسياسة يأخذون اهلنا منا، كنت اقول انني لا اريد ان اعمل سياسة مثل اهلي عندما اكبر". ما الذي جعله يغير تصميمه؟ "غصبا عني. السياسة في دمي، وأتنفسها كما يتنفس المرء الهواء". بين التباريس في الاشرفية وبيت مري، كبر غسان تحت انظار عمه ووالديه. انه الولد الثاني للعائلة بين سامي وامين. ومنذ نشأته، نمت شخصيته على تحمل المسؤوليات، من الصغيرة الى الكبيرة. فكان التزامه الاول الكشافة، وتدرج من جرموز الى مراكز قيادية."لم تكن لعبة". في البيت، زرعت الوالدة فيه وفي شقيقيه الايمان، فكان يرافقها الى الكنيسة للمشاركة في القداس. "أرتل على القراية. مثل كل افراد العائلة". انا معجب بقداسنا. احب كثيرا الترتيل البيزنطي". هناك على مكتبه، وضع شريطي صلوات بيزنطية يستمع اليهما على كاسيت من وقت الى اخر.

وفي مدرسة الليسيه الفرنسية حيث تتلمذ، تعلم الا يقيم تفرقة بين طائفة ومذهب. "كان معنا مسيحيون ومسلمون ويهود وفرنسيون ولبنانيون. كان خليطا رائعا قلما نجده في مدرسة في لبنان". وهذه التربية المزدوجة في البيت والمدرسة، جعلت منه رجلا "مؤمنا علمانيا". "انا علماني حتى العظم، وفي الوقت نفسه مؤمن حتى العظم".

"لمعات" ميّزت شخصيته المنطلقة لتعيش مقولة "وُلدتَ لتتعالى". هذا مبدأه. الموسيقى عشقها قبل كل شيء، ربما حتى قبل القانون والسياسة، كأنها ولدت فيه. فصادق الغيتار يضرب على اوتاره ويغني. ونفخ في المزمار الحانا كثيرة. "احب الموسيقى. انها جزء اساسي من حياتي. اغني كل الوقت، عندما اكون سعيدا، او مستاء. ماذا اغني؟ مقاطع اوبرالية". و"الرندحة" تخرج تلقائيا منه. "احيانا "ارندح" في مجلس النواب، بيني وبين نفسي، عندما تحصل امور تافهة، او في اوقات فراغ. الموسيقى لا نستمع اليها على الراديو فحسب، وآسف لاننا لا نعرف في لبنان والعالم اهمية ان ينتج المرء الموسيقى والفن".

 

موسيقى وفضاء ونحت

انجذابه الى الذكاء والجمال استحوذ على فكره اعواما طويلة. فالى جانب الموسيقى، كان احيانا "يحلق" الى الفضاء، حيث اتخذ له مسكنا بين الكواكب. علم الفضاء استهواه كثيرا. "كنت حافظا اسماء الكواكب والنجوم ومواقعها". كذلك، انشدّ الى النحت. فانشغلت يداه في مرحلة من شبابه في صنع تماثيل. "هذه التماثيل كلها صنع يدي. هذا يمثل هرتي التي كنت احبها كثيرا. وذاك وجه شخص، وهذه التماثيل الصغيرة قبضت مالا ثمنا لها". كانت اول عمل قبض ثمنه. " ١٠ ليرات عن كل تمثال". وكان في السابعة عشرة.

ورغم اختلاف اهتماماته، كان غسان الولد يعرف من البداية ماذا يريد ان يصير في المستقبل. كان يقول لرفاقه: "اريد ان اصير محاميا عندما اكبر". للحقوق مكانة خاصة في هذا البيت. صحيح ان العم كان طبيبا، الا ان الوالد كان شبه محام. "كان والدي اليد اليمنى لعمي ويتولى كل الخدمات الاجتماعية والمراجعات العدلية. لم يكن محاميا بكل معنى الكلمة، بل ثلاثة ارباع محام". كانت امنية اميل ان يصير ابنه محاميا، "تحقيقا لحلمه الشخصي "فجعلني احب المهنة. وكان يخبرني عما يحصل في المحاكمات، وعن القضاة والمتقاضين".

ودخل غسان جامعة القديس يوسف لدرس الحقوق. "وكان اجمل يوم في حياة  والدي عندما حلفت اليمين. كان فرحا جدا". في المحاماة، وجد مخيبر طموحه، ويكاد يكون حبه الحقيقي. "أحب القانون. وهذه الكتب في مكتبتي عن سوسيولوجيا القانون هي الاحب على قلبي. بالطبع، يستطيع الاشخاص الذين يتعاطون القانون القيام بتسويات في حياتهم. فالنظرة الى القانون ليست مقصلية. القانون حق. والقانون فيه مرونة. لكن الاشخاص الذين لا مرونة في ذهنهم ينظرون الى القانون على انه كحد السيف. القانون عالم هائل. فيه من القانون العائلي الى القانون الدستوري. كل المجتمع مكتوب في قواعد. لهذا السبب، اكتشفت خلال دراستي في الولايات المتحدة الاميركية العلم القانوني غير التقني ويسمى فلسفة القانون. انا من دعاة تعليمه في الجامعة، كما هي الحال في بريطانيا واميركا. عندنا يعلمون الطلاب التقنية فيكونون درسوا الحقوق، من دون ان يفهموا القانون".

كان مخيبر يمشي مع القدر رافع الرأس، سعيدا. وانطلق ليشحذ المزيد من العلوم في الخارج. فكانت الولايات المتحدة اول محطة له، حيث نال الماجيستير في الحقوق من جامعة هارفرد- ماساتشوستس. ثم طمح الى باريس. هناك، سجّل موضوع اطروحة دكتوراه في الحقوق في جامعة باريس الثانية. لكن الحظ عاكسه هذه المرة. كل البحث الذي اجراه خلال اكثر من عامين، وكان خبأه في حقيبة وضعها في خزانة في قاعة مقفلة في البيت الفرنسي- اللبناني، أُلقي بالخطأ في سلة المهملات لدى مباشرة ورشة ترميم. "لقد احبطت، اذ لم يعد لدي شيء من آلاف الاوراق.كان موضوع الاطروحة حلّ النزاعات خارج المحاكم في لبنان خلال الحرب". لم يُعد كتابة البحث، الا انه عَلّم هذه المادة في الجامعة.

والمراهق الذي انطلق في العمل البيئي عندما كان في السادسة عشرة في اطار "جمعية اصدقاء الطبيعة"، تحول على مرّ الاعوام رجلا قويا، ناشطا على خطين. في سرّه، يحوك دائما شيئا ما: افكاراً ومشاريع وخططاً وتصورات واحلاما. فكان غسان مخيبر الناشط الحقوقي والاستاذ الجامعي، الى جانب كونه محاميا في مجال القانون المتصل بالاستثمارات والاعمال التجارية والشركات واعمال الضمان والصحة. هذه الصورة طبعته بقوة اكثر من ٢٠ عاما. تسع جمعيات على الاقل ترك فيها بصماته بقوة، وواحدة يترأسها حاليا. كان همه الاساسي، ولا يزال، الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان وتعزيز الشفافية وحماية البيئة والتراث والعيش المشترك في بلد مأزوم على كل المستويات. التجربة كانت مثمرة. ورافقتها مسيرة في التعليم الجامعي. "المدخل الى القانون" وفن المفاوضة والوساطة" وحقوق الانسان" شكلت مواضيع محاضراته الجامعية. "التعليم شق مهم من حياتي"، على قوله.

 

القانوني الذي اختار السياسة

عام ٢٠٠٢، اتخذت حياة مخيبر المهنية والحياتية منحى جذريا. عمه النائب وافته المنية، فخاض المتن الشمالي معركة انتخابية شرسة بين الموالاة والمعارضة. وكان غسان في خضمها. وكانت نتيجتها بالارتكاز على قرار المجلس الدستوري. غسان مخيبر اصبح نائبا. هذا كان خياره. وفاجأ الكثيرين بذلك. المغامرة تستهويه ايضا. ومنذ ذلك الوقت، اوقف المحاماة، وقلّص ساعات التعليم الجامعي، وحصر اهتمامه في جانب واحد: الناس وهمومهم. "ليس ممكنا ان يقوم المرء بعمل قانوني جدي، وفي الوقت نفسه بعمل سياسي جدي. عليه ان يهمل احدهما. وهذا ما فعلته".

يومه يبدأ عادة السابعة والنصف صباحا بقراءة الجرائد على الانترنت والصحف ثم يتابع مشاكل اشخاص ومطالبهم، وتتوالى مواعيده من لقاءات سياسية واجتماعية ومتابعات لمواضيع تهمه. ولا يمضي يوم من دون الواجبات الاجتماعية: دفن هنا وعرس هناك. "فالاجتماعيات مهمة في حياة النائب"، على قوله. ولا يغمض له جفن قبل منتصف الليل.

هذا النمط من الحياة اعتاده. "كل يوم، هناك جديد. لدي مجموعة ملفات وقضايا اتابعها غير قضايا الناس، اذ اعتبر ان دور النائب اساسي هو البقاء قريباً من ناخبيه، ويجب ان يكون بيته وقلبه مفتوحين. هذه الامور يتعلّمها المرء في البيت، وليس في كتاب. فكما كان المرحوم عمي وابي، علي ان ابرز هذه الطباع التي تعلمتها في البيت. يجب ان اتقبل كل شيء. للنائب في لبنان دوره في الاستماع الى مشاكل الناس، طالما ان المؤسسات لم تصطلح بعد، وما زالت خاضعة لاعتبارات الفساد وسوء تطبيق القانون. فلا بد من ان نقف الى جانب الناس في مشاكلهم ومساعدتهم في حلّها".

وراء كل هذا، يطل رجل يخصص كل ليلة وقتا للقراءة واحيانا للاستماع الى الموسيقى او عزفها، والتخطيط لمشاريع. "احب كثيرا ان افتش بنفسي عن الكتب. انا مغرم بها، واعرف كل كتاب من كتبي كأنه صديق"، على ما يؤكد. مكتبته شاملة تختصر اهتماماته المنوعة: روائيات، مراجع عامة، فلسفة، دين، لاهوت، اسلاميات ومسيحيات، شعر بكل اللغات، حقوق انسان، علوم سياسية، تاريخ، علوم سياسية مختصة بلبنان، فلسفة وسوسيولوجيا القانون. "كلها كلها احبها". وهو يقصد بذلك المواضيع.

بالنسبة اليه، المعادلة بسيطة: "عندما اكون مهتما بموضوع، اعطي نفسي له الى الأخير. اذا كنت اقرأ الشعر، اكون طائرا في الشعر. واذا كنت استمع الى الموسيقى او اعزف، اكون طائرا في ما افعله. وعندما اكون في السياسة اكون مغمورا فيها الى الآخر". غسان مخيبر المحترف، المحب للكمال "الى حد ان اكون قاسيا على نفسي والعاملين معي، فلا اطلب من نفسي الا المستوى الاعلى"، يعترف في الوقت نفسه انه يرتكب اخطاء، مثل اي انسان. "قمت بالكثير من الخيارات الخاطئة، في مقابل الكثير من الخيارات الجيدة. عندي مبدأ يقول ان لا عمل من دون اخطاء. وحده من لا يعمل هو الذي لا يخطىء. الاهم ان يتعلم المرء من خطئه".

واستطرد من تلقاء نفسه، كأنه كان يعرف ماذا يقصد بالخيارات السيئة التي قام بها في حياته. "اذا كنت تريدين ان تجريني بسؤالك الى قرار المجلس الدستوري، اقدر على القول انني اتخذت القرار السليم آنذاك. والحمد لله اعطاني الناخب المتني حقي في الانتخابات النيابية الاخيرة. كانت النتيجة حيازتي ثقته". والم يجعلك هذا القرار تخسر صداقات او احترام بعضهم؟ اجاب: "لا. ربحت صداقات عديدة اخرى واحترام اشخاص آخرين. يللي بيتو من قزاز، ما يرجم غيرو بالحجار. ومن كان من دون خطيئة، فليرجم بالحجر الاول".

 

الزواج هذه السنة

كل شيء في حياة مخيبر يبدو في مكانه، كما يريد، او كما يتمنى. ولكن تبقى مسألة واحدة ناقصة في حياته، و"تتعلق بالحظ والجهد لانجاحها". الزواج. حتى اليوم، لم يحالفه الحظ، "وربما لم اقم بالجهد الكافي"، على قوله. وبذلك، لم يحقق الوعد الذي حلّفه على تحقيقه عمه وهو على سرير الموت، وهو "اياك ان تفعل مثلي. روح وتزوج". كانت لديه تجارب مختلفة، "بعضها كان غير منتج، وبعضها الآخر كاد ان يؤدي الى الدخول في القفص الذهبي. انما اليوم، قررت بعد انتهاء الانتخابات ان يكون هدفي المستقبلي المباشر هو الزواج". والمرأة المناسبة في مخيلة احد ابرز عازب في مجلس النواب هي ان "تكون البسمة على وجهها، وتتمكن من تحمل بيت سياسي مفتوح دائما امام  الناس. فنحن عنا: فوت خال باب بلا غال. احبها ان تكون بسيطة ومثقفة. لا احب التعقيد".

اليوم، ابن القانون الذي اصبح ايضا ابن السياسة همومه كثيرة، وملفاته اكثر. من اولوياته السعي الى "بناء مركز دراسات وتوثيق بمثابة حكومة ظل تضم هيئات لجان متطوعين متخصصة كل اعمال الوزارات، ومساءلتها واقتراح بدائل وتطويرها". البحث فيه بدأ مع عدد من الزملاء المهتمين بالشأن العام السياسي قبل اكثر من عامين. وتنتهي بلورته قريبا. "المتشائم الفاعل"، على ما ما يحب ان يصف نفسه يرفض اليأس او التكاسل او فقدان الامل. يصمد ويعمل وينتج مثل "صبيرة" في الصحراء. "احب ان انظر الى دوري في الصعوبات. فأضع وسط اهتماماتي، ما يمكن ان يحصل بفعل عمل وجهد، واطرح على نفسي: ما دوري لتحسين الوضع؟ اليوم هناك ورشة عمل تتطلب مشاركة الجميع من رأس الهرم الى آخر مواطن. اذا، شاركوا في العمل، فلا بد من ان يكون لنا افضل الاوطان يوما ما".

 




Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures