Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

نية المشترع وقانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة

 

أن مشروع القانون الرامي الى تعديل المادتين ١٠٤ و١٠٦ من قانون أصول المحاكمات الجزائية (مشروع القانون)، خطوة نوعية متقدمة وجيدة، تؤدي اذا ما أقرت، الى تعزيز حق المواطن في ضمانة سلامته الشخصية عبر تعزيز مبدأ قرينة البراءة الذي نصت عليه المادة ١١ فقرة أولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان كما يلي: "كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا الى أن تثبت ادانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه." وسوف نوضح في ما يأتي بأيجاز كلي أبعاد هذا المشروع، ونوضح اسبابه الموجبة، مع بعض الملاحظات والاقتراحات.
 
____________________
 
يختص قاضي التحقيق بجزء أساسي من الاجراءات التحضيرية للدعوى الجزائية؛ ومهمته جمع الأدلة على الجرائم وفاعليها والتثبت منها، وصولا الى تقرير اما احالة الدعوى الى المحكمة المختصة اذا ما ظن أن الجرم قائم والأدلة كافية، واما منع المحاكمة اذا كان الجرم قد سقط أو لم تكتمل عناصره أو لم تتوفر الدلائل والقرائن بحق المشتكى منه الملاحق. وطيلة هذه الفترة الى صدور أي قرار عن قاضي التحقيق، وبعد ذلك الى صدور الحكم النهائي المبرم عن المحكمة المختصة، يبقى المتهم بنظر القانون بريئا، حتى ثبوت ادانته في المحاكمة العلنية.
 
تبعا لذلك، يفترض أن يكون قرار التوقيف الذي قد يقرره قاضي التحقيق تدبيرا استثنائيا جدا، لأنه يخالف مبدأ قرينة البراءة، أي كانت مشروعية وصوابية الأهداف التي يرمي الى تحقيقها. ولأن هذا الاستثناء يقع في مجال حرية أساسية، لذلك تنطبق عليه الضمانات التي نصت عليها المادة ٢٩ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والتي ترمي الى موازنة الحقوق الفردية بالمصلحة العامة وفق المعادلة التالية: "يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والاختلاف في مجتمع ديمقراطي".
 
لكن القانون اللبناني لم يحد من حق قاضي التحقيق في اصدار مذكرات التوقيف، ولم يضع لها أية ضوابط موضوعية أو أخضعها لأية شروط؛ فاصبح هذا الحق شبه استنسابي، لا يعمل القضاة حتى على تعليل قرارهم بالتوقيف تعليلا كافيا أو دقيقا. وقد شهدت الممارسة نزعة واسعة من التوقيفات الاحتياطية، الكثير منها غير مبرر بمصلحة عامة؛ الى حد أصبح معه التوقيف الاحتياطي عقابا مبكرا يستبق رأي قاضي التحقيق والمحكمة في الجرم. كما أن فترات التوقيف امتدت لأيام وأشهر (أو حتى سنين) طويلة، زاد في صعوبة معالجتها اكتظاظ المحاكم بالشكاوى وقلة عدد قضاة التحقيق.
 
لذلك، وتصويبا لتلك المخالفات الواقعة على مبدأ قرينة البراءة وصونا لحق المواطنين بالسلامة الشخصية، يسعى مشروع القانون الى وضع ضوابط على حق قاضي التحقيق في اصدار مذكرات التوقيف. وتتمثل هذه الضوابط بالنسبة لإقتراح تعديل المادة ١٠٤ بقائمة محددة من الغايات القابلة للقياس والتقييم، التي يحق على أساسها وتحقيقا لها فقط لقاضي التحقيق اتخاذ القرار بالتوقيف الاحتياطي، وهي تتعلق بغالبيتها بالمصلحة العامة أو بمصلحة المدعى عليه بالذات. كما تتمثل الضوابط الأخرى بالنسبة لاقتراح تعديل المادة ١٠٦ بتحديد مدة التوقيف الاحتياطي بحسب الجرم (جنحة أم جناية) وتنظم شروط تمديدها.
 
وتجدر الاشارة الى أن مشروع القانون، يستلهم بشكل أساسي (وشبه متطابق) أحكام المادتان ١٤٤ و١٤٥ من قانون أصول المحاكمات الفرنسي الجديد، التي صاغت ما توصل اليه العلم واجتهاد المحاكم الفرنسية من تطور في مجال حماية حقوق المدعى عليه في حالات التوقيف الاحتياطي.
 
واننا، مع تأييدنا الكامل لمشروع القانون، وتشجيعنا القيمين على وضعه الاستمرار في هذا الاتجاه الذي يضع قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني في توافق أكثر مع المعايير الدستورية والدولية الضامنة للسلامة الشخصية، نبدي بعض الملاحظات والاقتراحات، علها تساهم في تطوير مشروع القانون هذا أكثر في الاتجاه المرجو:
 
١ -    بمقارنة نص المادة ١٤٤ من القانون الفرنسي مع نص مشروع القانون، يتضح جليا بأن هذا الأخير أسقط في صياغته عبارة:
… lorsque la détention provisoire de la personne mise en examen est l'unique moyen de
ونتيجة ذلك زيادة الحالات التي يجوز فيها التوقيف الاحتياطي بحيث لا تنحصر، كما في أصل النص الفرنسي، في الحالات التي يكون فيها التوقيف الاحتياطي السبيل الوحيد المتاح لتحقيق الغايات المنصوص عليها، وهي على سبيل المثال "الحفاظ على الأدلة والمعالم المادية للجريمة أو الى الحؤول دون فرار المدعى عليه أو ممارسته الضغط على الشهود أو على المجنى عليهم … الخ. لذلك، نقترح اعادة تضمين نص مشروع القانون عبارة مماثلة لتلك الواردة في القانون الفرنسي، لإحكام الضبط على صحة تعليل قضاة التحقيق لقراراتهم والتأكيد على كون التوقيف استثناءا على مبدأ قرينة البراءة.
 
٢ -    تتضاعف الخشية من زيادة حالات التوقيف الاحتياطي عندما ترمي الى "الحؤول دون تعكير النظام العام من جراء الجريمة" كما نصت على ذلك الفقرة الثالثة من المادة ١٠٤ المقترح تعديلها في مشروع القانون. ولا يخفى على أحد كم يصعب تحديد مدى تعكير النظام العام، وتقييمه تقييما موضوعيا بشمولية النص المقترح. لذلك، نقترح اعتماد نص مماثل للذي نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة ١٤٤ من القانون الفرنسي، وتعريبه: "استثنائيا، يمكن اتخاذ القرار بالتوقيف لزمن محدد أو تمديد ذلك التوقيف [في الحالات التالية]: … ٣ - عندما يكون الجرم، بسبب خطورته أو ظروف اقترافه أو جسامة الضرر الذي تسبب به، نتج عنه تعكير الأمن العام تعكيرا فادحا ومتماديا، بشكل يجعل التوقيف السبيل الوحيد لوضع حد له."
 
la détention provisoire peut, à titre exceptionnel, être ordonnée ou prolongée: ٣.       Lorsque l'infraction, en raison de sa gravité, des circonstances de sa commission ou de l'importance du préjudice qu'elle a causé, a provoqué un trouble exceptionnel et persistant à l'ordre public, auquel la détention est l'unique moyen de mettre fin.
 
وفي الخلاصة، وحتى اقرار مشروع القانون، نتمنى على قضاة التحقيق اتباع اجتهاد يقضي باعتماد المعايير والأصول التي نص عليها مشروع القانون والالتزام بها، وذلك تأسيسا على مبدأ قرينة البراءة وعلى الواجب الذي يلقيه القانون عليهم بتعليل قراراتهم تعليلا كافيا. وبذلك يثبت القضاء بالفعل، قبل الزام القانون له بالضوابط التي يقترحها مشروع القانون، بأنه هو السلطة الدستورية الحامية للحريات والحقوق الشخصية، والملاذ الأول والأخير للمواطنين.
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures