Articles & Lectures
Arabic


Click to share article:

الدفاع عن حقوق الإنسان وتفعيلها: الإطار العام والحالة اللبنانية
<< ... فان الجمعية العامة [للأمم المتحدة] تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي ان تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كيما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته، واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية، الى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا، بالتدابير المطردة والدولية، إلاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية، فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء، ...>> الفقرة الأخيرة من مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 

منذ مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس بتاريخ ١٠ كانون الأول ١٩٤٨ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا النص يخاطب كل انسان ويذكره بواجب كل فرد وهيئة في العمل على تحقيق الحقوق والحريات التي أعلنت للملأ ويدعوه الى ترجمتها على أرض الواقع.
 
وفي مناسبة الإحتفال باليوبيل الخمسين لهذا الإعلان في ١٠ كانون الأول ١٩٩٨، سوف يكون هذا الدور المدعو اليه كل فرد وهيئة موضوع اهتمام خاص، فتقر الجمعية العامة للأمم المتحدة اعلانا آخر عنوانه "الإعلان عن حق وواجب المجموعات ومؤسسات المجتمع في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً وتفعيلها"، وسوف يعرف إختصاراً "بإعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان". ويؤكد هذا الإعلان مدى أهمية دور المواطنين، لأنه لا يمكن أن تتحول هذه الحقوق من حيز المبادئ الى حيز الواقع، إلا من خلال الممارسة الدائمة لها من قبل الأفراد والجماعات، والعمل الدؤوب على حمايتها.
 
ويبقى هذا الدور في غاية الأهمية، بالرغم من ان المسؤولية في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها تقع أولاً على عاتق السلطات الدستورية الثلاث في الدولة، وقد التزمت الدولة بذلك عند ابرامها معاهدات حقوق الإنسان الدولية المختلفة؛ وقد أعاد "إعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان" في مقدمته التذكير بهذه المسؤولية، كما يعيد التذكير به العديد من الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان[١]. فواجب السلطة الإشتراعية هو السهر على أن تكون جميع التشريعات الوطنية متوافقة مع المعايير الدستورية والعالمية لحقوق الإنسان؛ وواجب السلطة الإجرائية السهر على حسن تطبيق هذه القوانين وعدم السماح بانتهاك الحقوق والحريات المصانة وتأديب من يخالف؛ وواجب السلطة القضائية السهر على ملاحقة الجرائم الواقعة على الحريات والحقوق ومحاكمة المخالفين أياً كانوا. لكن الواقع المؤسف يتجلّى في غالب الأحيان، بتخاذل هذه السلطات في تنفيذ واجباتها، فيمسي عدد كبير من الحقوق والحريات المعلنة في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان منتهكاً على أرض الواقع.
 
ولا يشذ لبنان عن هذه القاعدة، فالعمل فيه كثير والحاجة للعاملين كبيرة. صحيح أن هناك حريات في لبنان، وأنه لا تسوده شريعة الغاب. لكنه صحيح أيضاً أنه ما زال هناك فيه العديد من الحقوق والحريات الأساسية المنتهكة على أرض الواقع في النصوص وفي الممارسات. فإن الصورة الحقيقية في هذا المضمار كالضوء عند المغيب، يختلط فيه النور بالظلمة بنسب متفاوتة بحسب الوقت والزمن، وكالكوب الذي يكون جزئه مليئ وجزئه الآخر فارغاً، فلا يرى البعض من الناس الجزء الأول ويرى البعض الآخر الجزء الثاني. لذلك، يجب ألا يقع التقييم، سلباً أم إيجاباً، في فخ الكلام عن "الحرية" بالمفرد، لكن أن يكون الكلام والتقييم عن "الحقوق والحريات"، فيجري تقييم كل منها على حدة قياساً على المعايير المعتمدة دولياً.
 
واذا ما أجرينا تقييما سريعا لواقع حقوق الإنسان والحريات الأساسية في لبنان يتبين لنا أنها تتفاوت في درجات انطباقها على معايير حقوق الإنسان، فتقع ضمن إحدى الفئات الثلاثة التالية:
 
الفئة الأولى هيالحريات التي تتفق الى حد كبير مع مبادئ الإعلان العالمي بالنص القانوني وفي واقع الممارسة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية المعتقد الديني وممارسة شعائرها.
 
الفئة الثانية هيالحريات التي تتفق نصوصها الى حد كبير مع مبادئ إلاعلان العالمي وتقع مخالفتها وانتهاكها في الممارسة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية الجمعيات، وأصول الإستجواب والتوقيف في معرض الملاحقة الجزائية.
 
الفئة الثالثة هيالحريات التي لا تتفق نصوصها مع الإعلان العالمي والتي يتفاوت التشدد في تطبيقها من قبل سلطات الدولة. ومن الأمثلة على ذلك: حرية تأسيس المطبوعات الدورية واستعمال المناشير.
 
ان هذه إلانتهاكات وغيرها، والتي اختبرها كل مواطن في ممارسته المعيوشة، أو في ما يسمعه في محيطه، أو في ما يقرأه في وسائل الإعلام، كل هذه المخالفات تستصرخ ضميره، وتدعوه للمساهمة في العمل للدفاع عن حقوق الإنسان ولتعزيزها، لا أن يتبع المقولة الشائعة: "حادت عن ظهري … بسيطة"؛ لأن كل انسان معرض لأن يكون ضحية ممارسة شاذة، ما لم تصطلح الأمور وتستقم الدولة التي يسودها القانون الذي يحترم فعلياً جميع الحقوق والحريات المعلنة.
 
لذلك، كانت الحاجة الى هذا المقال، المبني على اختبار محلي في لبنان، وكأنه يجيب على سؤال مواطن: كيف أكون ناشطاً في مجال حقوق الإنسان في لبنان وفاعلاً في الدفاع عنها وتعزيزها؟ ونستعرض من خلال أقسامه الأربعة، مجموعة من المسائل الأساسية التي تتعلق بنشاط حقوق الإنسان وهي على التوالي: أولاً، ماهية حقوق الإنسان ومعاييرها؛ ثانياً، النشاطات المختلفة المتاحة؛ ثالثا، أطر العمل التنظيمية؛ رابعاً، المواقف والسلوكيات حيال هيئات حقوق الإنسان ومنها.
 

وهذا المقال ككل "دليل" يسعى لأن يكون مقتضباً تعميماً للنفع، يثير جدليات ذات أهمية كبيرة لا تمكن معالجتها بالتفصيل الذي تستحق. وفي مطلق الأحوال، يبقى الإختبار والعمل على أرض الواقع إفرادياً أو ضمن هيئة، والممارسة اليومية للحقوق والحريات، خير دليل على كيفية تحويل كل فرد الى مواطن، وعلى كيفية تقريب كل إنسان في لبنان كل يوم أكثر من "المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي ان تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم".



[١] ورد التذكير بهذه المسؤولية كما يأتي في مقدمة "إعلان حماية مدافعي حقوق الإنسان": "ان الجمعية العمومية للأمم المتحدة […] مؤكدة بإصرار أن الموجب والمسؤولية الأولى في حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها تقع على عاتق الدولة". والمادة ٢ فقرة (١) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" نصت على انه "تتعهد كل دولة طرف في العهد الحالي باحترام وتأمين الحقوق المقررة في العهد الحالي لكافة الأفراد ضمن اقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع …".
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures