Click to share article:

تطوير القوانين لتمكين الإعلام من تعزيز الوعي بحقوق الإنسان

 

من حق لا بل من واجب كل مواطن، وبخاصة الصحفيين والناشطين في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها، أن يتمكنوا من نشر كافة المواد والمعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان.
 
وقد تأكد هذا الحق/الواجب، في المادة السادسة فقرة (ب)[١] من الإعلان الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ ٩/١٢/١٩٩٨ وعنوانه: "الإعلان عن حق ومسؤولية الأفراد والجماعات ومؤسسات المجتمع في تعزيز والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا" المعروف "بالإعلان عن حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان". وقد نصت هذه المادة على ما يأتي:
 
يحق لكل شخص، بالإنفراد أو بالإتحاد في جمعية مع آخرين:
(ب) - أن ينشر وينقل ويوزع بحرية الى الآخرين، الآراء والمعلومات والمعرفة المتعلقة بمجمل حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وذلك وفق ما نصت عليه الصكوك الدولية النافذة المتعلقة بحقوق الإنسان وغيرها من الصكوك ذات الصلة[٢].
 
ومن نافل القول أن من شروط تحقيق هذا الحق/الواجب في بث ونشر مواد حقوق الإنسان، توفر حرية الإعلام في النص وفي الممارسة الإدارية، ان من حيث استعمال وسائل الإعلام القائمة أو من حيث حرية تأسيس وادارة وسائل اعلام جديدة متخصصة بمواضيع حقوق الإنسان (كالمجلات أو مطبوعات الدورية أو حتى المناشير والإنترنت).
 
فأين القانون اللبناني من هذه الحرية بالذات؟ وأين الحاجة الى تطوير هذا القانون تعزيزا لهذه الحرية والوعي بحقوق الإنسان؟
 
 
تتميز الأحكام القانونية التي تنظم الصحف والمجلات بأنها لا تخضعها لأية رقابة مسبقة، وتمنع التوقيف الاحتياطي في جميع الجرائم المتعلقة بجرائم المطبوعات وتعطي الصلاحية في تلك الجرائم الى محكمة مدنية (غير عسكرية) خاصة، هي محكمة المطبوعات. وبالتالي، فان القانون اللبناني يترك للصحفيين ولوسائل الإعلام هامشا جيدا من الحرية يتوافق مع المعايير المعتمدة دوليا.
 
لكن المشكلة بالطبع تكمن بما يعرف بالرقابة الذاتية، أو بالرقابة الأمنية "غير المنظورة" التي يمكنها متى مورست أن تحد عمليا من قدرة أو ارادة وسائل الإعلام في بث ونشر المعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة اذا كانت مربكة سياسيا (كأن تتعلق مثلا بانتهاكات الأجهزة الإدارية أو الأمنية أو حتى القضائية لحقوق الإنسان). لكنه لا مجال لتصويب هذا الوضع الشاذ بتعديل للقانون، اللهم الا باصدار اعلان أدبي عن وسائل الإعلام ذاتها، تحدد فيه التزامها بث ونشر ما يتعلق بحقوق الإنسان، وتترك الحرية للصحفيين في نشر التحقيقات والمعلومات بعد التأكد من أنها لا تخالف في مضمونها القوانين الجزائية المتفقة وحرية ابداء الرأي (كالقدح والذم مثلا).
 
لكن القانون يصبح مقيدا لحرية الاعلام دون مبرر يتفق مع هذه المعايير القانونية المعتمدة دوليا في أحكامه المتعلقة باخضاع تأسيس الصحف والمجلات وتوزيع المناشير للترخيص المسبق، وفي معالجته للموضوع السياسي:
 
بالنسبة للترخيص للصحف والمجلات:
استقر العلم والاجتهاد في الانظمة التي تحترم الحريات الاعلامية والصحفية، على اعتبار ان الرقابة المسبقة على التأسيس عبر الترخيص، مخالف لمبدأ حرية الاعلام الذي اقره الدستور والمعاهدات الدولية. فالمبدأ الذي يفترض اعتماده هو نظام التأسيس بموجب علم وخبر تستلمه الادارة او الهيئة المختصة (مثلا: هيئة عليا للاعلام أو النيابة العامة في مكان اصدار الصحيفة).
 
بالنسبة للسياسة :
ميز القانون بين الصحف والمجلات التي يحق لها تعاطي السياسة، وتلك غير مخولة ذلك، فأقفل باب الترخيص للصحف والمجلات السياسية منذ صدور المرسوم الاشتراعي رقم ٧٤ عام ١٩٥٣. وبالتالي، فانه يستحيل على أي كان اصدار صحيفة أو مجلة سياسية جديدة، دون تسديد مبالغ طائلة ثمنا «لرخصة» أو امتياز قائم، مما يمعن في الحد غير المبرر من حرية الاعلام 
وكأن التعاطي بالسياسة من المسائل الخطيرة التي توجب التنظيم والترخيص الخاصين ، وفي ذلك التمييز تقييد غير مبرر لحرية ابداء الرأي السياسي، وكأن هذا الاخير دخل في حيز «المحظورات». كما يطرح هذا التصنيف مسألة تعريف وتحديد المادة السياسية. فهل تعتبر مادة حقوق الإنسان من المواد السياسية؟ أم هي غير ذلك، وان من باب التقية الثقافية، تتعلق بالثقافة القانونية مثلا أو حتى السلوكية الإجتماعية؟
 
المناشير:
ان المناشير من أبسط وسائل النشر وأقلها كلفة، وهي بالتالي من أفعل الوسائل لبث ونشر المعلومات وللتعبير عن الرأي وأكثرها ديمقراطية. لكن حرية طبعها واصدارها وتوزيعها مقيدة تعسفا في القانون اللبناني، وهي تخضع للترخيص المسبق المخالف لمبدأ الحرية، الصادر عن المديرية العامة للأمن العام. أما عقوبة المخالفة، فهي بالاضافة الى مصادرة المطبوعة، الغرامة والحبس. ومما يزيد من سوء الممارسة المتعلقة بوسيلة النشر هذه، فلقد درجت الممارسة غالبا على احتفاظ المحكمة العسكرية لصلاحيتها بالنظر في تلك المخالفات، خاصة حين يكون موضوع المنشور سياسيا، وذلك بالرغم من النص الصريح لقانون المطبوعات ولبعض الإجتهادات الجريئة الصادرة عن المحاكم، التي تؤكد على صلاحية محكمة المطبوعات، دون سواها، لنظر في جميع القضايا المتعلقة بجرائم المطبوعات، ومنها المناشير.
 
 
مقترحات:
 
١. الغاء نظام الترخيص المسبق في عملية تأسيس الصحف والمجلات والعودة الى نظام التأسيس الحر عبر بيان «العلم والخبر» المعتمد عالميا، واطلاق حرية نشر الصحف والمجلات السياسية أيا كان عددها دون تمييزها عن باقي أنواع المطبوعات.
 
٢.  الى حين اجراء هذا التعديل التشريعي، تسهيل الإستحصال على جميع طلبات الرخص المقدمة من دوائر وزارة الإعلام والمتعلقة بمطبوعات دورية متعلقة بحقوق الإنسان.
 
٣. الغاء اخضاع المناشير للرقابة المسبقة لدى المديرية العامة للأمن العام، والاكتفاء بالرقابة اللاحقة التي قد تجريها محكمة المطبوعات دون سواها (دون أي تدخل للمحكمة العسكرية)، والاكتفاء بموجب نشر اسم وعنوان الكاتب والناشر.
 
٤.  وضع شرعة أدبية للممارسة الصحفية المتعلقة بمواد حقوق الإنسان يصدر عن نقابة الصحافة والمحررين مثلا وتوقع عليه جميع وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية وامسموعة، تلتزم فيه العمل على بث ونشر ثقافة حقوق الإنسان والمعلومات كافة المتعلقة بانتهاكها، على أن تستلهم هذه الشرعة اعلان الأمم المتدة المتعلق "بحقوق المدافعين عن حقوق الإنسان".
 
 
 
ولا يرد علينا في مجال تعديل القانون لجهة الغاء أصول الترخيص المسبق للصحف والمجلات بأن وسائل الإعلام القائمة تستفيد من حقوق مكتسبة متعلقة بشكل خاص بالقيمة الباهظة التي تكتسبها "الرخصة"، خاصة بالنسبة للصحف والمجلات السياسية، بسبب الصعوبات الراهنة في الترخيص لها أو حتى استحالة هذا الترخيص. وجوابنا على ذلك بأنه لا مجال للكلام عن حقوق مكتسبة مالية ناتجة عن تبديل في قواعد العرض والطلب نتيجة تعديل في القانون، الذي يتضمن أصلا مخالفات لحرية أساسية هي حرية الإعلام. كما أنه سبق للبنان أن شهد حالة مماثلة لمثل هذا التعديل كان اباحة الترخيص لشركات الضمان وقد انعدمت قيمة "تراخيصها" المتداولة سابقا بقيم باهظة.
 


الحدود الجزائية الموضوعة على حرية ابداء الرأي بجميع الوسائل المتاحة
 
نصت القوانين على بعض القيود لحرية التعبير عن الرأي، وهي قيود يجب ان تفسر حصراً دون اي توسع فيها بالنظر لطابعها الاستثنائي، خاصة وأنه غالبا ما يعاقب عليها بالحبس وبالغرامة كونها من المخالفات الجزائية. وتنطبق هذه القيود على وسائل التعبير الشفهية (في اجتماع أو مظاهرة مثلا) وعلى جميع وسائل الاعلام من مطبوعات وأعمال فنية مختلفة، وتلفزيون واذاعة. ان اهم هذه القيود وردت في قانون العقوبات وقانون المطبوعات وتلخص بما يلي:
 
١. الجرائم المتعلقة بتعكير السلامة العامة واثارة النعرات الطائفية والمس بوحدة البلاد وسيادة الدولة واستقلالها والمكانة المالية للدولة ونشر بعض المستندات السرية ونشر ما يتنافى والأخلاق
بمقتضى هذه النصوص يعاقب القانون اللبناني على الدعاية الهادفة الى اضعاف الشعور القومي وايقاظ النعرات الطائفية والعنصرية وسلخ جزء من الاراضي اللبناني عن سيادة الدولة وكل كتابة او خطابة تقصد منها الحض على الاقتتال بين عناصر الامة والمس بالشعور الديني وتلفيق الاخبار التي من شأنها الاساءة الى الوضع المالي والاقتصادي للدولة. كما يحظر نشر وقائع التحقيقات الجنائية والجناحية قبل تلاوتها في جلسة علنية، والمحاكمات التي تتعلق بالطلاق ووقائج جلسات مجلس الوزراء، ووقائع جلسات مجلس النواب السرية، ومراسلات الادارة الممهورة بطابع «سري»، التقارير والكتب والرسائل والمقالات والصور والأنباء المنافية للأخلاق والآداب العامة.
 
والملاحظ هنا ان القانون لم يحدد مفاهيم واضحة للسلامة العامة والامن العام مما يترك المجال مفتوحاً للتأويل والاجتهاد الذي قد يستغل لقمع الحريات اذا ما جرى التوسع في التفسير.
 
٢. الجرائم المتعلقة بالقدح والذم والتشهير والتعرض لشؤون الافراد الخاصة
حدد القانون اللبناني مفهوم كل من التحقير والقدح والذم وحدد عقوبات مختلفة سواء كان الجرم واقعا على موظف رسمي او على ممثل للسلطة السياسية او القضائية ام على شخص عادي. كما نص على عقوبات خاصة اذا تعرضت وسيلة اعلامية لشخص رئيس الدولة أو نشرت ما يتضمن ذما أو قدحا أو تحقيرا بحقه أو بحق رئيس دولة أجنبية. ولم يعف القانون وسائل الاعلام من المسؤولية في حال نشر أقوال وتصاريح عضو المجلس النيابي الذي يستفيد وحده من الحصانة.
 
٣.  التعدي على الملكية الادبية والفنية
تضمن القانون اللبناني احكاماً تعاقب على اغتصاب الاثار الادبية والفنية وعلى تقليد توقيع المؤلف وعلى تقليد الاثار الادبية والفنية الخ... فضلاً عن ان الدولة اللبنانية منتسبة منذ عام ١٩٥٩ الى اتفاقية جنيف لعام ١٩٥٢ واتفاقية برن المتعلقة بحماية الاثار الادبية والفنية. وتحدد النصوص بشكل مفصل كيفية حماية الملكية الادبية والفنية في مختلف جوانبها.
مقترحات
١. تعزيز دور القضاء كسلطة مستقلة في حماية الحريات، ووضع ضوابط لتدخله. بشكل خاص، منع التوقيف الاحتياطي في جميع الجرائم المتعلقة بحرية ابداء الرأي (اسوة بجرائم المطبوعات)، وذلك ان من قبل النيابات العامة أو قضاة التحقيق.
 
٢. القيام بجهد تشريعي يرمي الى توضيح بعض المفاهيم الواردة في القوانين اللبنانية النافذة لاسيما لجهة مفاهيم الأمن العام والامن القومي والشعور الديني الخ... التي غالباً ما تشكل اساساً لملاحقة اصحاب الرأي بسبب مقال او كتاب نشروه او اثر فني ابتكروه، لكي لا تتحول هذه الضوابط القانونية الى سلاح بيد السلطة للحد من حرية التعبير والتسلط والقمع، فتأخذ هذه السلطة بذلك بيد القانون ما يكون الدستور والمواثيق الدولية قد اعطياه بيد آخرى. وبشكل خاص، تعديل قانون المطبوعات لجهة رفع مسؤولية الوسيلة الاعلامية بالقدح والذم في حال نشر تصريحات النواب المستفيدين من الحصانة.


[١]Article ٦:
Everyone has the right, individually and in association with others:
(b) As provided for in human rights and other applicable international instruments, freely to publish, impart or disseminate to others views, information and knowledge on all human rights and fundamental freedoms;

[٢] على سبيل المثال: «حرية إبداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون» (المادة ١٣ من الدستور اللبناني). يشمل الحق في حرية التعبير«حرية البحث عن المعلومات والافكار من أي نوع واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود وذلك اما شفاهة أو كتابة او طباعة وسواء كان ذلك في قالب فني او بأية وسيلة اخرى يختارها» (المادة ١٩ من «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» الذي اقرته الامم المتحدة عام ١٩٦٦ والذي انضم اليه لبنان عام ١٩٧٢ وأصبح جزأ من القانون اللبناني). كما أن حرية الإعلام موضوعة لمصلحة المواطن اضافة الى مصلحة وسائل الإعلام بالذات، فتضمن له حقه في "الحصول على المعلومات عن طريق تنوع مصادر الاعلام المهيأة له، مما يتيح لكل فرد التأكد من صحة الوقائع، وتكوين رأيه بصورة موضوعية في الاحداث» (المادة ٢ من «اعلان الاونسكو» الصادر في ٢٨/١١/١٩٧٨ «بشأن المبادئ الاساسية الخاصة باسهام وسائل الاعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي.(
 
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures