In Parliament
Statements


Click to share article:

كلمة النائب غسان مخيبر في مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس رفيق الحريري الثانية

 

دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
تساءلت مرات عديدة قبل الإستشارات النيابية عن جدوى المشاركة فيها؛ وتساءلت البارحة عن جدوى مناقشة هذه الحكومة القديمة-الجديدة في بيانها الوزاري القديم-الجديد.
 
فبالنسبة لعملية تشكيل الحكومة في فصليها الأول والثاني، أصبحت عوراتها معروفة للجميع، يمكن أن نختصرها ببضع عبارات للذكرى ولأخذ العبرة بقدر ما صار تكرارها، حتى من قبل عدد من الوزراء أعضائها بالذات، يغني عن تفصيلها أكثر:
 
·        السرعة القياسية في الإستقالة والتعيين والتشكيل.
·        افراغ اصول التعيين والتشكيل الدستورية من مضمونها التي باتت من الشكليات.
·        اضاعة الفرصة لترجمة أجواء الوفاق، وتفعيل الحوار الوطني.
·        التشكيلة المعلبة، بحيث كان ما كتب قد كتب الا في التفاصيل التي لا تغير الا القليل في بعض من الأسماء والحقائب.
·        خلط مسؤوليات الوزراء والإختصاصات في اطار المحاصصة السياسية والطائفية.
·        وفي كل ذلك، تدخل أو اشراك سوري، لا فرق، مهما زاد أو قل هذا التدخل أو الإشراك.
 
أما بالنسبة الى مناقشة البيان الوزاري، وهو الفصل الثالث والأخير من عملية قيام هذه الحكومة دستوريا، فقد باتت هي بدورها من الشكليات، لأن التصويت على الثقة في نهاية المطاف محتوم بأكثرية القوى المجلسية الممثلة في هذه الحكومة الواسعة، ناهيك عن خشيتنا من أن تكون آذان هذه الحكومةما زالت صماء عما تسمعه من مناقشة أو انتقاد أو ارشاد، وهي المصممة والسائرة "كالتران" "ما بتحيد وما بتزيح" عن النهج السابق؛ وكأني بها انتهجت، بدل ديمقراطية الحوار والتجاوب، موقف التسلط والإزدراء.
 
ولكن بالرغم من هذه الهواجس الحقيقية، فقد شاركت في المشاورات النيابية واعتلي اليوم هذا المنبر، لأصارح المواطنين عبر وسائل الإعلام بقدر مصارحة الحكومة والزملاء النواب بما أعتبره غير متحقق في سياسة هذه الحكومة المعبر عنها في البيان الوزاري. واتمسك بشكليات الدستور وأصول الديمقراطية، رغما عن الحكومة وممارساتها، أملا أن يتحول يوما الشكل الى مضمون والظاهر الى حقيقة، يقينا مني بأن الديمقراطية هي ممارسة الديمقراطيين المثابرين حتى الرمق الأخير، مهما قل عددهم، ومهما جار الزمن عليهم.
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
المطلوب اليوم أكثر من ثقة هذا المجلس؛ المطلوب ثقة الشعب بالوطن وبديمقراطيته وبمؤسساته كلها.
 
لكن، لنقلها بصراحة وواقعية وبأسى المتألم: ان الناس لم تعد تثق لا بالحكومة ولا بالمؤسسات ولا تثق في امكانية التغيير أو في تحقيق أي اصلاح، وبات الناس والحالة هذه محبطون من البلد كله ومن سياسييه.
 
والأسوأ من ذلك سعي عدد كبير منهم الى الهجرة التي أصبحت الهاجس الأكبر لشبابنا وطموحهم المرجو؛ ومن لا يهاجر بالسفر، يستقيل من الإهتمام بالسياسة، التي تبقى حكرا على ناد صغير من السياسيين، وهنا الخطر الأكبر.بالتالي، فان الحاجة ماسة الى اعادة المواطن الى الدولة والعمل للخروج من الإحباط المؤدي الى القرف والهجرة أو الإنكفاء عن الإهتمام بشؤون البلد وشجونه، والإحجام عن الإستثمار فيه لإحياء عجلة الإقتصاد.
 
يعلم الجميع أن الإزدهار الإقتصادي والإستقرار المالي وجذب الإستثمارات مسائل مبنية على تنمية ثقة المواطن بمؤسسات بلاده وباشراكه في عملية اصلاحها. فعبثا تسعون الى تحقيق التصحيح الإقتصادي والمالي المرجوين ما لم يتزامن ذلك مع ارادة سياسية واضحة وجدية لتحقيق الإصلاح السياسي الذي هو المدخل الإلزامي لتحقيق الثقة بالوطن.
 
لكننا لا نرى أن هم تحقيق الإصلاح السياسي الديمراطي له أي مكان جدي في النهج المتبع من قبل هذه الحكومة القديمة-الجديدة. يكفينا التذكير بأن من ضمن الصفحات الإحدى عشرة التي يتكون منها البيان الوزاري، فان صفحتان تقريبا خصصتا للوضع الإقليمي والدولي والعلاقات اللبنانية السورية، وثمان (٨) صفحات تقريبا للشؤون الإقتصادية والمالية والإجتماعية، و في ستة (٦) اسطر فقط، حشرت الحكومة جل ما تضمن البيان الوزاري من كلام عن مواضيع سياسية بنيوية وديمقراطية، في صياغة لم تتجاوز العموميات، وكأنها وردت في البيان بمثابة "رفع العتب".
 
هذا لا يكفي يا سادة، اذ لا يمكن انقاذ البلاد بمثل هذا الفراغ في الرؤيا الذي، ان دل على شيء، فعلى غياب الإرادة الجدية لتحقيق الإصلاح السياسي الديمقراطي البنيوي في ملفات ومواضيع أساسية أستعرض في ما يأتي البعض منها. 
 
أولا:              أين تصحيح العلاقات اللبنانية السورية في كل من أبعادها الأمنية والسياسية والإقتصادية ؟
 
نقول هذا مؤكدين بأنه لا خلاف بين اللبنانيين على  ما ورد في البيان الوزاري وضمن مبادئ السيادة والإستقلال "بان العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا هي خيار ثابت ومصيري ... وليست رهاناً موسمياً يتوقف على الظروف". كما أنه على لبنان أن يلتزم جبه كل الضغوط والإتهامات والتهديدات الموجهة الى سوريا دون وجه حق." لكن كل ذلك لا يتعارض مع الحاجة الي تصحيح هذه العلاقة.
 
·        بالنسبة الى البعد الأمني - العسكري، فاننا لم نقتنع بعد بشمولية العبارة – الشعار الذي يردده البيان الوزاري بأن وجود الجيش السوري على أرض لبنان "ضرورياً وشرعياً ومؤقتاً وتحدده الحاجات الاستراتيجية المتفق عليها بين الدولتين"، ونؤكد مطالبتنا باكمال انسحاب هذا الجيش وفق خطة واضحة ومبرمجة يفترض أن تتفق عليها الحكومتان، لكي يصبح هذا الإنسحاب مدخل حقيقيا لتعميق العلاقات الإستراتيجية بين الشعبين والدولتين.
 
·        وبالنسبة الى البعد السياسي، المطلوب تطوير العلاقات السياسية بين البلدين ضمن مبادئ سيادة واستقلال كل منهما، دون تبعية أو هيمنة، وطوي صفحة ممارسات الماضي في هذا المجال، بما فيه عملية تدخل أوادخال سوريا أو البعض فيها في عملية تشكيل الحكومات، وغيرها من القرارات الكبيرة والصغيرة، والإحتكام دائما بدلا من ذلك الى الأطر الدستورية.
 
·        أما بالنسبة الى البعد الإقتصادي، فالمطلوب الإستمرار في تعزيز وتعميق هذه العلاقات لما فيه مصلحة الدولتين الى أقصى الحدود الممكنة، ضمن مبدأ تكافؤ الفرص والتساوي، والتفاوض من هذا المنطلق لتحسين الإتفاقيات القائمة.
 
اننا ندعو الحكومة الى عدم الخشية من طرح ملف تصحيح العلاقات اللبنانية السورية بجدية وبعلنية ودون تخوين أو خوف، لأن في ذلك مصلحة مشتركة أكيدة لكل ما يخدم أفضل المصالح المشتركة والخاصة لكل من لبنان وسوريا، ويعزز المناعة الداخلية في لبنان في مواجهة التحديات الإقليمية والمخططات الصهيونية، وليس العكس كما يدعي أو يخشى البعض.
 
ثانيا:             أين اصلاح النظام الإنتخابي وتعزيز الديمقراطية ؟
 
لقد اكتفى البيان الوزاري بالإشارة الى "التمثيل الديموقراطي الصحيح"ببعض من الخفر وبعبارة مقتضبة واحدة. في حين أن مسألة اصلاح النظام الإنتخابي هي العمود الفقري لإعادة بناء السلطة، واحياء الحياة السياسية الديمقراطية، وشرط من شروط انخراط من جرى تهميشهم في مشروع بناء الدولة، وخصوصا من القوى السياسية المسيحية،.
 
وكنا تمنينا لو تضمن البيان الوزاري التزام الحكومة بعض من الخطوط العريضة الأساسية، بحيث تلتزم مثلااصلاح النظام الإنتخابي في وقت مبكر، بما يكفل شروط التمثيل الصحيح، بدءا بتحديد حجم الدائرة الإنتخابية على أن يعتمد نوعا من أنواع التمثيل النسبي، وأيجاد آليات ومؤسسات تضمن حياد السلطة ونزاهتها في ادارة العملية الإنتخابية، وتنظيم الإنفاق الإنتخابي والحملات الدعائية.
 
ثالثا:              أين الخطوط العريضة لتحقيق مبدأ دولة القانون القائمة على احترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان؟؟ 
الجدير ذكره أن البيان الوزاري لم يشر ولا مرة واحدة الى مبدأ دولة القانون، ناهيك عن دولة القانون والمؤسسات!! فهل سقطت هذه العبارة سهوا أم عن سابق تصور وتصميم، في حين أنها أساسية في الإصلاح الديمقراطي للدولة؟
 
كنا نتمنى لو تضمن البيان الوزاري التزام تحقيق دولة القانون والمؤسسات، بالفعل لا بالشعارات، هذه الدولة المبنية على اسس الحريات واحترام حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية ابداء الرأي بأية وسيلة كانت، بما فيها حرية التظاهر، والتجمع والجمعيات، والحريات الإعلامية، والتشدد في حسن تطبيق أصول المحاكمات الجزائية من قبل الضابطة العدلية التي تحتاج الى تنظيم وتأهيل جدي، وتعزيز جميع هذه الحقوق والحريات في اطار القوانين وفي الممارسات الإدارية والقضائية. وكذلك اصلاح السجون.
 
 
 
رابعا:            أين الخطوط العريضة لتعزيز القضاء المستقل والفاعل والنزيه ؟
 
اكتفى البيان الوزاري بالإشارة بأيجاز كلي الى "ان الحكومة ستبقى حريصة على ضمان تعزيز استقلالية القضاء بما يؤمن للمواطنين الضمانة الحقيقية لحقوقهم وحريتهم."
 
ان هذا الموضوع البالغ الأهمية كان يستأهل بعضا من التفصيل، أقله بالمستوى الذي صيغت فيه سياسة الحكومة في موضوع الخصخصة مثلا. فالحاجة أصبحت ماسة لدى الجميع، في السلطة وفي المعارضة، لتجاوز العبارات الإنشائية العامة، وصولا الى تحديد ما تتضمنه هذه الشعارات من خطط ومضامين، في كل مفصل من مفاصل عمل القضاء، بما فيها على سبيل المثال، تشكيل السلطة القضائية الموحدة المشرفة اداريا على القضاء، وتحديد مصير المحكمة العسكرية، وتعزيز عملية اختيار وتأهيل القضاة في المعهد الخاص بهم وتحصين استقلالية القضاة في التعيين والمناقلات، بما فيه اعمال مبدأ عدم جواز نقل القاضي دون موافقته، وتحديد مسؤولية القضاة ومساءلتهم ومحاسبتهم الفعلية مسلكيا عند الحاجة وفق قواعد الآداب المهنية الخاصة بهم.
 
خامسا:          أين تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية وتعميقها ؟
 
لم يتضمن البيان الوزاري الا التأكيد "... على أهمية وضرورة اقفال ملف المهجرين الذي يعتبر جزءاً من قضية عودة الوطن الى ذاته وعافيته ... لتمسح آخر جراح الأحداث الأليمة بما يلغي نهائيا رواسبها الديمغرافية والإجتماعية والإقتصادية". كل ذلك جيد ومشكور.
 
لكنه يبقى علينا بلسمة جراح أخرى لتحقيق هدفنا جميعا في عودة الوطن الى ذاته وعافيته، وهو العمل سياسيا لتشجيع جميع القوى السياسية والمجموعات المبعدة للعودة الى كنف الوطن الواحد الديمقراطي والمشاركة فيه سياسيا مشاركة علنية وفعالة وتحقيق مستوى المصالحة الحقيقية بين كل من شارك في الحروب من قوى محلية أو اقليمية وباقي المجتمع الضحية.
 
وفي اطار تحقيق المصالحة وتنقية ذاكرة الحروب وتحويله أيجابيا الى "ذاكرة لبناء المستقبل"، ادعو الحكومة الى جعل يوم ١٣ نيسان من كل سنة يوما وطنيا لضحايا الحروب في لبنان، كما أدعو الى اقامة نصب تذكاري جامع خاص بهؤلاء الضحايا.
 
وكذلك لا يكفي تأكيد الحكومة على تحرير الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، بل يطلب منها العمل الجدي بالوسائل القانونية والديبلوماسية المتاحة لتحقيق ذلك؛ وأيجاد حل نهائي وصحيح لمأساة المفقودين وفق أحكام قرار الأمم المتحدة الخاص بالإخفاء القسري. ان قضية هؤلاء لا تتعلق بذويهم فقط، بل يفترض أن تكون قضية المجتمع بأسره، تحتاج بدورها الى ارادة سياسية جدية. لذلك، نطالب اللجنة التي شكلتها الحكومة السابقة برئاسة الوزير السابق الأستاذ فؤاد السعد، بأن ترفع التقرير بحصيلة أعمالها الى هذه الحكومة، بعدما انقضت المهلة المحددة لذلك منذ أكثر من سنتين؛
علما أن ذوي هؤلاء المخطوفين والمخفيين قسرا قد تقدموا بالمعلومات والبينات اللازمة التي أثبتت وجود عدد كبير جدا من اللبنانيين قيد الإخفاء القسري، سواء في اسرائيل أو في سوريا أو في غيرها من الدول.
 
 
سادسا:          أين سلسلة الحوارات الوطنية وهي أساسية من أجل تحقيق الإصلاحات الضرورية؟
 
لا يعقل أن نخوض هذا العمل الإصلاحي الكبير الا من خلال مشاركة واسعة لأكبر عدد ممكن من المعنيين،في السلطة وفي المعارضة، من داخل ومن خارج المؤسسات الدستورية، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني. ان هذه المشاركة شرط من شروط الديمقراطية في مفهومها العميق. ويشار الى هذه المشاركة في لبنان بمصطلحات "التوافق" أو الحوار الوطني.
 
لقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن الحوار الوطني وضرورة انجاز المصالحة. لكن هذا الكلام تلاشى ولم يجد طريقة الى البيان الوزاري. أما وقد ضاعت فرصة استعمال الحكومة بالذات كاطار للحوار، علينا ألا نضيع فرصة ثانية، والمثابرة بالرغم من ذلك، سعيا لإنجاح سلسلة من الحوارات الوطنية حول مختلف الملفات السياسية والإقتصادية والقضائية والإدارية الأساسية.
 
ولا بد من اخراج الكلام المبهم عن الحوار الى حيز التنفيذ في اقرب فرصة ممكنة عبر الإتفاق على آلية واضحة، وكان لي اقتراح بهذا الشأن لا مجال لي هنا لتكراره.
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
في الخلاصة، لا ينبغي ان تثنينا الصعوبات والتحديات العالمية والإقليمية والمحلية، بما فيها هذه الحكومة المفككة بجميع عوراتها، من العمل على تحقيق ما نعتبره عمل انقاذ حيوي وشاق، لتصويب المسيرة السياسية الخاطئة منذ اتفاق الطائف حتى اليوم والقاصرة على تحقيق الإصلاح السياسي الديمقراطي في الملفات الأساسية التي أشرت اليها في كلمتي، الذي وحده يمكن أن يعيد ثقة المواطن بوطنه وبمؤسساته؛ هذه الثقة وحدها سوف تمككنا من العمل على التنمية الإقتصادية.
 
أدعو المواطنين لعدم الإستسلام لليأس والإحباط على الرغم من كل شيئ، وادعوهم للإنخراط في مشروع العمل الإصلاحي الدؤوب وفي مراقبة ومحاسبة هذه الحكومة على اساس ادائها والإبتعاد عن الشعارات والعمل على تطوير البدائل. كلنا في مركب واحد، فاما نغرق معا أو ننجو معا، فهل من يتعظ؟!
 
سوف نؤيد كل مسعى ياتي من الحكومة أو من المجلس أو من المجتمع، يساهم في زرع الامل واعادة الثقة الغائبة. لكننا في الوقت ذاته نعلن وبصراحة معارضتنا لمساعي التطمين الوهمية، وندعو هذه الحكومة للسعي الىتطوير عملها بشكل جدي وواقعي. فالعبرة لإكتساب ثقة اللبنانيين، سوف تبقى في التنفيذ وفي تغيير النهج الناقص والخاطئ الذي أشرنا اليه.
 
في الختام، ولجميع الأسباب التي اختصرتها في كلمتي، وعلى الرغم من تقديري ومودتي لعدد من أعضاء هذه الحكومة افراديا، لا يسعني الا أن أحجب الثقة.



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures