In Parliament
Statements


Click to share article:

كلمة النائب غسان مخيبر في جلسة مجلس النواب عقب إغتيال الرئيس رفيق الحريري

 

دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
ما زال لبنان والعالم تحت هول الجريمة الإرهابية الجبانة البشعة التي ذهب ضحيتها دولة الرئيس رفيق الحريري والتي اردت عدد كبير من المواطنين قتلى وجرحى، ومنهم الزميل النائب باسل فليحان، وقبل ذلك بخمسة اشهر محاولة اغتيال الزميل الأستاذ مروان حماده، وقبل ذلك بسنوات، سلسلة طويلة من الإغتيالات السياسية بادوات جرمية مماثلة.
 
لقد هالنا وهال العالم اجمع مستوى هذا الإجرام الإرهابي الذي ما زال البعض يلجأ اليه في الألفية الثالثة كجزء من الاعيب سياسية باتت من ممارسات ماض كنا املنا ان يولي من دون رجعة، وانظمة باتت كالدينصورات تسير عكس التاريخ، تصارع حلم الشعب اللبناني وباقي شعوب العالم، بالحرية والديمقراطية.
 
ان هذا الإعتداء الآثم الأخير ظهر ١٤ شباط، اكثر من جريمة، يشكل خطأ جسيم لا بد ان ينقلب سحره على الساحر. والسحر بدأ بتحقيقه الرئيس الحريري باستشهاده: فالشعب بات اكثر وحدة من اي وقت مضى؛ واكثر اصرارا من اي وقت مضى لتحقيق الإستقلال والسيادة. انظروا اليهم في بيوتهم امام شاشات التلفزيون؛ انظروا اليهم امام الضريح في خشوع الصلوات؛ انظروا الى حشود الشعب اللبناني في ساحة الشهداء بنسائه ورجاله وشبابه وشيوخه، وصار اسم هذا المكان ساحة الوحدة والحرية، يصرخون بصوت واحد: حقيقية – حرية – وحدة وطنية؛ حرية - سيادة - استقلال. فتحية لروح الرئيس رفيق الحريري، وتحية اكبار واعتزاز بهذا الشعب اللبناني والواحد العظيم.
 
ونحن من موقعنا المتجذر قديما في المعارضة الحريصة على استقلال لبنان وسيادته وقراره الحر، ومن منطلق الحرص على الوحدة الوطنية والديمقراطية والسلم الأهلي وبعيدا عن اي تشنج او ردة فعل، لا بد لنا معكم اليوم من وقفة محاسبة، طال انتظارها تختصر بمطالب ثلاث اساسية:
 
١.     جلاء الحقيقة كل الحقيقة
٢.     وجلاء القوات النظامية والمخابراتية السورية بالكامل
٣.     وجلاء الحكومة كل الحكومة
 
ويشكل مجلس النواب دون سواه الإطار المؤسساتي الصحيح للحوار من اجل تحقيق هذه المطالب الأساسية في هذا الظرف بالذات. فحسنا فعلتم يا دولة الرئيس بتجاوبكم مع مطالبتنا في المعارضة الدعوة الى هذه الجلسة التاريخية التي يحط اخيرا النقاش فيها.
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة الزملاء،
 
أولا: نطالب بجلاء الحقيقة كل الحقيقة، في جريمة اغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري ومحاولة اغتيال الزميل الأستاذ مروان حمادة ومحاكمة الفاعلين والمحرضين ومعاقبتهم. لكن كيف لنا تحقيق ذلك؟ فالأجهزة الأمنية والسلطات التي وراءها جميعها مشكوك بمصداقيتها: لا بد لأي مراقب ان يرى في الحد الأدنى التقصير المذهل الجسيم، وفي الحد الأقصى التواطؤ لطمس الحقائق وعرقلة التحقيق. تذكروا وفاة زاهي ابو رجيلي الذي قضى ١٢ ساعة بعد الإنفجار؛ تذكروا الجثث الضائعة والتي تكتشفها القطط؛ ماذا بعد خمسة اشهر من محاولة اغتيار الزميل مروان حمادة: اين الأدلة، اين المسؤوليات؟! ولماذا الإرتباك الأول في قبول مساعدة التحقيق الدولي؟ لماذا الإرتباك في اعلان واقعة بسيطة تتعلق بتقنية الإغتيال: سيارة مفخخة او ارض مفخخة؟
 
ثم هناك زملاء نواب في المعارضة، يصرحون جهارا انهم مهددون بالقتل، وفي مقدمتهم وليد بك جنبلاط الذي بات يخشى الخروج من منزله. فهل تحرك احد من اجهزتكم يا دولة الرئيس للتحقيق ولكشف من يهدد ولماذا؟
 
في مقابلة هذا الإرتباك والضبابية، بات هناك قناعة راسخة لدى الشعب اللبناني، والأحكام القضائية تصدر باسم الشعب اللبناني وصوت الشعب من صوت الله vox populi, vox Dei: فهو انتهى الى تحميل الأجهزة الأمنية السورية والأجهزة اللبنانية التابعة كامل المسؤولية، بحيث بات من وظائف التحقيق المطلوب اجراءه اثبات عكس ذلك، اذا امكن.
اسألوا الناس في الخفاء وفي العلن، اسألوا زوجاتكم وازواجكم، اسألوا القضاة والمحامين والأطباء وسائقي السيارات، والطلاب والمعلمين، اسألوا المثقفين والشغيلة، اسألوا الأغنياء والفقراء: من قتل رفيق الحريري؟ ومن حاول اغتيال مروان حمادة؟ ما هو برأيكم الجواب؟
 
ومن اجل اتمام التحقيق الكامل والشفاف والسريع، ادعو جميع السلطات والأجهزة المعنية الى التعاون الكامل مع اللجنة المعينة من قبل الأمين العام للأمم التحدة، واطالب بأن تتحول هذه اللجنة الى لجنة تحقيق دولية بصلاحيات كاملة.
 
كما ادعو مجلس النواب الى تعيين لجنة تحقيق برلمانية مؤلفة من ممثلين عن المعارضة والمولاة، تواكب التحقيقات وتتمتع بصلاحيات كاملة لإستدعاء من تراه مفيدا لجلاء الحقيقة.
 
ثانيا: نطالب بجلاء كامل وسريع للقوات السورية النظامية والمخابرتية
هذا المطلب بات اليوم اكثر الحاحا من اي وقت مضى، ليس بسبب قيمته الذاتية وحسب في تحقيق سيادة لبنان الكاملة على كامل ترابه الوطني، انما ايضا كمدخل من مداخل معالجة مضاعفات الإغتيالات الأخيرة.
 
وبالله عليكم، لا تتحفونا مجددا بنظريات رفض الإنسحابات تحض الضغط الداخلي او الدولي. تذكروا ان المطالبة اللبنانية بانسحاب الجيش السوري من لبنان قديمة جدا، اقلها منذ عام ١٩٩٢ حيث كان يفترض اتفاق الطائف ان تكون القوات العسكرية السورية اكملت انسحابها الجزئي الى البقاع.
 
كما يطيب لي التذكير بخطاب القاه شاب كان عمره ٩٠ عاما هو الدكتور البير مخيبر، وقف امامكم تحت هذه القبة بالذات يوم الخميس في ٢ تشرين الثاني ٢٠٠٠، وطالب لأول مرة في هذا المجلس بالإنسحابات. ومما قاله الراحل الكبير طالبا ان يسجل كلامه للتاريخ:
 
" الشعب اللبناني انتفض لأنه يرفض الوصاية السورية ويرفض ان يبقى الحكم اللبناني في دمشق لا في بيروت (...) وطالب "بجلاء الجيش السوري عن لبنان" (...) "وبعلاقات ديبلوماسية طبيعية فيكون لنا سفير في سوريا ولسوريا سفير في لبنان كما مع الدول العربية الأخرى" (...) كما ابدى خشيته من "ان يصبح لبنان في وجه سوريا كما انتفاضة الفلسطينيين في وجه اسرائيل".
لقد تكلمت انا شخصيا ٥ مرات على الأقل من على هذا المنبر، وفي كل مرة كنت اطالب بتحقيق الإنسحابات ورفع الهيمنة السياسية واثير الحاجة الى تصحيح العلاقات اللبنانية السورية. ولم يكن هناك أي ضغط دولي طوال هذه السنوات التي كنا نثير فيها هذا الموضوع مع عدد من قوى المعارضة وقادة الرأي، وعلى رأسهم غبطة البطريرك صفير والمطران عوده، وغيرهم. ولم يتجاوب احد وظلت القوات السورية مكانها، باستثناء بعض التحركات الميدانية الصغيرة، لا بل زادت وتيرة التدخلات الأمنية المخابراتية على كل صعيد.
 
"فاحترنا يا قرعا من وين بدنا نبوسك": لا انسحاب بالمطالبة العقلانية الوطنية دون ضغوط! ولا انسحاب مع الضغوط! متى اذا يا سادة؟! متى تصحيح الوضع المذري التي وصلت اليه العلاقات اللبنانية السورية؟ ومتى سوف يكون لنا تصحيحها في كامل ملفاتها الأمنية والسياسية والإقتصادية لما فيه تحقيق مصالح البلدين بافضل العلاقات ضمن اطار سيادة وحرية قرار كل منهما؟
 
كما اننا لا نقتنع بامكان الإبقاء على لبنان رهينة الصراعات الإقليمية عبر ربط الإنسحابات العسكرية السورية بأي اتفاق سلام فرضي مع اسرائيل. نذكر بحق بديهي وهو الحق بأن تطلع القوى العسكرية اللبنانية دون سواها مسؤولية الدفاع عن أمن اقليمها الجغرافي بالكامل. قد يفيد التذكير أن هذا الحق البديهي الذي يرعى علاقات جميع الدول في العالم، كان قائم في لبنان منذ قيام اسرائيل واستمرار حالة الحرب معها. وأما في الزمن الراهن، فقد بات الواقع خير شاهد على أن القوى العسكرية اللبنانية، ومعه الشعب اللبناني بأسره، يتمتعا بالقدرة والجهوزية اللازمتين لمنع أي اعتداء اسرائيلي وصده وحماية حق الفلسطينيين بالعودة والتصدي لمشاريع التوطين ودعم سوريا في استعادة اراضيها المحتلة. أما بالنسبة لإنتظار أي اتفاق سلام فرضي مع اسرائيل، فان مثل هذا الإتفاق قد لا يتحقق في ظل تعنتها المستمر. فهل يعقل أن ننتظر سلام فرضي، يمكن أن يطول أو لا يحصل أبدا، لنحدد اطار علاقاتنا الأمنية الثنائية مع سوريا؟
 
دولة الرئيس،
 
لا بد من اتخاذ موقف جريئ بالإنسحاب الكامل للقوات السورية النظامية والمخابراتية من لبنان، وفق ما كنا نطالب به دائما منذ سنوات طويلة دون كلل، على ان يتم ذلك الإنسحاب عقب حوار واقعي تجريه حكومة لبنانية جديدة والقيادة السورية في اقرب وقت ممكن.
 
لا خشية من ان يؤثر مثل هذا الإنسحاب على امن لبنان ووحدة ابنائه، الا اذا كان التخطيط لذلك لا سمح الله. لذلك، فاننا نحمل السلطتان السورية والللبنانية كامل التبعة لأي اخلال بالأمن قد يلي انسحاب القوات السورية؛ فاعملوا يا سادة لكي يشكل هذا الإنسحاب عنصر تماسك أكبر وعلاقات صحيحة اعمق بين لبنان وسوريا شعبا ومؤسسات.
 
ثالثا: نطالب بجلاء الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية المقصرة، بعد ان اقالها الرأي العام وسقطت أية ثقة بها (وكنت حجبت الثقة عنها اصلا) فاما ان تسقط في هذا المجلس بنزع الثقة عنها، واما ان تستقيل حالا او في اقرب وقت ممكن.
 
ليس مطلب رحيل الحكومة من قبيل الحرتقة السياسية، او تسجيل النقات الإنتخابية. بات خطوة انقاذية للوطن، وتهدئة للجو المشحون. لن يكون هناك فراغ اكبر من ذلك الفراغ الذي نراكم اليوم فيه. وليتجه الحوار الذي يدعى اليه اليوم للتوافق على تشكيل حكومة جديدة انقاذية حوارية، تضم وزراء يمثلون القوى الأساسية الفاعلة مناصفة ما بين المعارضة والموالاة، تشرف على التحقيقات في جريمة اغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري ومحاولة اغتيال الزميل الأستاذ مروان حمادة، وتعمل على الإتفاق في اسرع وقت ممكن على انسحاب القوات السورية من لبنان، وتشرف على اجراء انتخابات حرة ونزيهة في وقتها المحدد دون تأخير.
 
نردد مع السياسي الفرنسي "تاليران" في احدى فترات الضياع السياسي لديهم قال:
 
 Le pouvoir est tombe si bas, qu’il ne s’agit plus de le reprendre, mais de le ramasser
"لقد سقطت المؤسسات والسلطات الى مستوى لم تعد الحاجة الى استعادتها بل الى التقاطها ولملمتها".
 
ارحلوا. سوف احجب الثقة مرة اخرى عنكم. لكن اذا تمكنت الأكثرية النيابية من اطالة عمر هذه الحكومة، فرأفة بمستقبل لبنان، وبهذه المرحلة الدقيقة، استقيلوا وارحلوا.
 



Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures