News
News Articles


Click to share article:

مراجعة مجلس شورى الدولة لتصحيح إدارة المالية العامة وانتظامها



مسودة ١٥-١٠-٢٠١٤

النائب غسان مخيبر

أستعرض عليكم بعجالة سريعة في ما يأتي، أبرز ما تضمنته مراجعة القضاء الشامل والإبطال التي تسجلت في ١١ أيلول ٢٠١٤ في قلم مجلس شورى الدولة، بوجه القرار المتخذ في مجلس الوزراء بتاريخ ٢٤ تموز٢٠١٤، بعنوان "تأمين الاعتمادات المطلوبة للرواتب والأجور وملحقاتها من احتياطي الموازنة العامة"، وسائر القرارات ذات الصلة.

تسعى هذه المراجعة، غير المسبوقة في لبنان، بعد فشل السلتطين التنفيذية والتشريعية، الى اللجوء للسلطة القضائية سعيا إلى تصحيح ادارة المالية العامة وانتظامها في اطار الدستور والقانون.



أولا: الجهات الطاعنة
تسجلت المراجعة لدى مجلس شورى الدولة باسم كل من دولة الرئيس السيد حسين الحسيني (الرئيس السابق لمجلس النواب) ودولة الدكتور إلياس سابا (نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق، وزير المالية والدفاع والنائب الأسبق) والأستاذ غسان مخيبر (النائب في مجلس النواب).

أتبعت هذه المراجعة الأولى فورا بمراجعة ثانية مطابقة لها، تقدم بها كل من الوزير السابق شربل نحاس، والنائب السابق نجاح واكيم، والدكتورة غاده اليافي.

حرص واضعو المراجعة لأن يتوفر في الشخصيات الطاعنة، إضافة الى القيمة المعنوية والسياسية التي يتمتعون بها، شرطا الصفة والمصلحة المطلوبان في القانون والاجتهاد الإداريين لقبول المراجعات القضائية، وذلك بالنظر لصفاتهم كمتولي سلطة عامة (حاليين وسابقين) ومستفيدين من مرتبات او تعويضات من خزينة الدولة، ولأنهم مكلفون على أموالهم، ولأنهم معنيون باستمرار تأدية الوظائف الحيوية للدولة وباحترام القواعد الأساسية للانتظام العام.

يعتبر مقدمو المراجعة، بمرحليتيها، أن إنضمام آخرين الى هذه المراجعة ممكن مع اتباع الأصول عينها بالنسبة للمراجعتين المماثلتين.



ثانيا: وقائع المخالفات الدستورية والقانونية التي حتمت المراجعة
تميز الطعن بمجموعة كبيرة من الملاحق، التي توضح المعلومات المشار اليها في متنه وتطور تفاصيلها وملابساتها، وذلك من أجل عدم ارهاق مجلس الشورى والقارئ بالتفاصيل في سياق عرض الوقائع والمخالفات، الطويلة والمعقدة بالنظر الى كونها تشكل مخالفات دستورية وقانونية جسيمة ومتمادية منذ زمن طويل، على الأقل منذ العام ١٩٩٣.

أ - القرارات المطعون فيها:
القرار المتخذ في مجلس الوزراء بتاريخ ٢٤ تموز٢٠١٤ بعنوان "تأمين الاعتمادات المطلوبة للرواتب والأجور وملحقاتها من احتياطي الموازنة العامة"، غير المنشور في الجريدة الرسمية، وسائر القرارات ذات الصلة الواردة في المراجعة.

ب - المخالفات:
استفاضت المراجعة القضائية (كما سوف يستفيض كل من الدكتورين الوزيرين السابقين الطاعنين الياس سابا وشربل نحاس)، في توضيح الأحكام الدستورية والقانونية الواجبة الاحترام، والمخالفات والانتهاكات المتمادية لها من قبل الإدارة ومجلس النواب. يمكن اختصار المخالفات التي شابت القرارات المطعون فيها بما يأتي:
١. صدورها عن سلطة غير صالحة،
٢. واتخاذها خلافاً للمعاملات الجوهرية المنصوص عليها في القوانين والأنظمة،
٣. ومخالفتها للدستور وللقانون،
٤. واتخاذها لغاية غير الغاية التي من أجلها خول القانون السلطة المختصة اتخاذها.

ولأنها ترتب:

إنفاقا دون مسوغ دستوري وقانوني

جباية لضرائب ورسوم دون مسوغ دستوري وقانوني

زيادة في الدين العام دون مسوغ دستوري وقانوني





ثالثا: صفة العجلة التي أوجبت تقديم المراجعة في هذه الظروف بالذات:
ما استجد مؤخرا، أن وزير المالية العامة السيد علي حسن خليل قد أعلن تكراراً أنه لا يستطيع القيام بأي إنفاق دون صك تشريعي صالح، وهذا موقف صحيح قانونا، سندا إلى النص الصريح للمادة ١١٢ من قانون المحاسبة العمومية، وأعلن بالتالي التوقف عن دفع رواتب الموظفين وخدمة الدين العام، بدءاً من آخر شهر تموز الماضي، الى أن تم إيجاد إخراج يشبه الإخراجات السابقة. غير أن الإخراج الجديد لم يكن ليصلح لأكثر من شهرين، أي أن التوقف عن دفع رواتب الموظفين وخدمة الدين العام كان يعود الى الواجهة اعتباراً من أول أيلول ٢٠١٤ بشكل أكيد وثابت.

لم تنتف صفة العجلة الماسة اليوم، بعد اقرار مجلس النواب في الجلسة التشريعية الأخيرة المنعقدة في الأول من أيلول ٢٠١٤ لقانون يرمي الى "فتح اعتماد اضافي في الموازنة العامة قدره ٠٠٠،١٥٥،٦٠٧،٦٢٦ ل.ل. لتغطية العجز في الرواتب والأجور وملحقاتها لغاية نهاية العام ٢٠١٤"، لأن القانون الذي أقره المجلس لا يؤدي سوى الى تأجيل الأزمة ذاتها لبضعة اشهر، لا بل يؤكد ضمنا المخالفات الجسيمة (والقانون الأخير منها) التي تسعى المراجعة الى فرض توقف تماديها وتمادي مساوئها واضرارها.

أمام هذا التخبط المتمادي، والتفلت في استخدام المال العام من الضوابط الدستورية والقانونية، والقيام بالجباية وبمراكمة الدين دون مسوغ شرعي، وبتهديد استمرار تأدية الوظائف الحيوية والأساسية للدولة، وأمام الإعلان حسابيا عن وقف دفع الرواتب والأجور بعد أقل من شهر من الآن، في موقف قانوني صحيح لوزير المالية، وأمام المواقف المعلنة من الأطراف الممثلة في كل من مجلسي النواب والوزراء والممارسات المتبعة حتى تاريخه، باتت الإدارة واقفة أمام خيارين كلاهما غير مقبول:

إماوقف دفع أجور الموظفين وتهديد استمرار خدمة الدين العام، مع ما يرتب ذلك من كوارث؛

وإما اجراء تسوية، تخالف بدورها الدستور والقوانين الأساسية، تمحو مخالفات عشرين سنة ماضية مقابل السماح بمخالفات قادمة أو فتح صفحة جديدة في أحسن الأحوال.




ولعل الخيار الثاني أسوأ من الأول لأنه يعني مقايضة جرمي السطو على المال العام وعلى مال المكلفين الحاصل سابقاً بجرم مماثل مستقبلي.


رابعا: دور القضاء في السهر على حسن انتظام السلطات ومدى صلاحيته
تساهم المراجعة في تعزيز السلطة القضائية (المنصوص عنها في المادة ٢٠ من الدستور)، والممثلة بمجلس شورى الدولة، ودعوتها لممارسة دورها الرقابي على حسن تنفيذ الدستور والمبادئ العامة للقانون، والأحكام القانونية، على أساس ان النظام الدستوري اللبناني قائم على مبدأ فصل السلطات الثلاثة، وممارسة كل منها الرقابة على بعضها البعض.

بشكل خاص، يتسم اللجوء للسلطة القضائية أهمية خاصة ومضاعفة، بعدما فشلت السلطتين التنفيذية والتشريعية في تصحيح ادارة المالية العامة وانتظامها في اطار الدستور والقانون.


خامسا: طبيعة مراجعة القضاء الشامل والإبطال
تتخذ المراجعة في القانون اللبناني صفتي القضاء الشامل والإبطال من حيث التدابير المطلوب اتخاذها من قبل مجلس شورى الدولة.

أ - من حيث القضاء الشامل، طلب من مجلس شورى الدولة:
اتخاذ إجراء احترازي لوجود عجلة ماسة وضرر أكيد يلحق بالجهات المستدعية وبسائر الأطراف الذين هم في وضع مشابه (ويتجاوز عددهم مئتي ألف)، بحيث طلب من مجلس شورى الدولة تقرير الصيغة التي يراها الأنسب لتأمين الإشراف والرقابة المسبقة على صحة إنفاق الأموال العامة، وجواز أو عدم جواز اتخاذ وتنفيذ أي قرار يرتب إنفاقاًعاماً و/أو تكليفاً للمواطنين و/أو دينا مترتبا عليهم، وذلك حصرا بما يؤمن الوظائف الحيوية للدولة، على أن يحصّن هذا التدبير بأوسع الصلاحيات، وأن يستمر إلى حين عودة المؤسسات الدستورية المعنية إلى القيام بمهامها ودفعا لتعجيل تلك العودة.

وكذلك طلبت المراجعة من مجلس شورى الدولة اتخاذ القرار بالتعويض على الجهات المستدعية عن الضرر المباشر والأكيد اللاحق بها للأسباب المحددة في المراجعة، لا سيما لتخلف الدولة عن القيام بالموجبات الدستورية والقانونية المترتبة عليها لتأمين دفع المستحقات وجباية الإيرادات والاستدانة، أي بإقرار الموازنة السنوية، ما يشكل خطأ فادحا ومتماديا.


ب - من حيث انها مراجعة إبطال لتجاوز حد السلطة، طلب من مجلس شورى الدولة:
اتخاذ القرار بإبطال القرار المتخذ في مجلس الوزراء بتاريخ ٢٤ تموز ٢٠١٤

وكذلك إبطال ما يجب إبطاله من قرارات ادارية أخرى مطعون فيها لمخالفتها القانون والدستور، سيما وأنها تعكس بمجملها، وصولا إلى القرار المتخذ في مجلس الوزراء بتاريخ ٢٤ تموز ٢٠١٤ بالذات، إخفاقا وتقصيرا من قبل السلطات والإدارات المختصة بواجباتها الدستورية والقانونية في مجال إدارة المال العام، إخفاقا وتقصيرا تحولا إلى عمل منهجي يؤدي الى تقويض الانتظام العام واستباحة الأموال العامة.


الخلاصة:
ألا وفقنا ومكننا مجلس شورى الدولة في تصحيح إدارة المالية العامة وانتظامها، عبر قبوله المراجعة المطروحة امامه، واتخاذه القرارات المطلوبة منه بجرأة، ما سوف يساهم في تعزيز سيادة القانون في بلد نحرص عليه حرصنا على حياتنا، في حين تتهاوى فيه وحولنا القيم والمؤسسات.



 

النص الكامل لمراجعة مجلس شورى الدولة

 




Send this article to a friend by entering his e-mail address

Print Article

Pictures from Gallery

Articles & Lectures